قوله تعالى: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكن منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) } وهذا صنف آخر من أنعم الله امتنّ بها سبحانه على عباده وهو الماء بكل فوائده ومنافعه - والمعنى: أن الله هو الذي أنزل من السماء ماء المطر؛ ليكون غيثا يُغاث به الناس فمنه شرابهم واستقاؤهم - وبسببه ينبت الشجر - وهو مطلق النبات على اختلاف أنواعه (فيه تسيمون) من السوم وهو الرعي - سامت الماشية أي رعت - والسائمة التي ترعى بنفسها حيث شاءت - وأسامها صاحبها، أي أخرجها إلى المرعى 13 - و (تسيمون) ، أي ترعون أنعامكم فتستفيدون منها اللحم والدر والنسل وغير ذلك من المنافع.
قوله: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات) وهذه أصناف أخرى مضافة يبينها الله في آياته ليمتن بها على عباده؛ فهو سبحانه ينبت للناس- بما أنزله من مطر- الزرع على اختلاف أنواعه - وقد بدأ به (الزرع) ؛ لأنه عماد الأقوات للناس - وهو يستفاد منه الكلأ لتتغذى به الأنعام والدواب - ثم ذكر الزيتون، هذه الشجرة المباركة التي تؤتي الزيت - وهو نعم الغذاء ونعم الدواء؛ إذ تستشفي به الأبدان من كثير من العلل والأسقام - ثم النخيل وهو ذو ثمر لذيذ مستطاب - وهو كثيرا ما يقتات به بعض الناس - وكذلك الأعناب؛ فإنها فاكهة طيبة ومطعوم مستلذ تشتهيه كل الأنفس - قوله: (ومن كل الثمرات) (من) للتبعيض أي وينبت لكم بعض كل الثمرات - لأن كل الثمرات لا يكون إلا في الجنة - أما في الدنيا: فقد أنبت الله فيها بعضا من أنعمه الكثيرة التي لا يعلم عدد أصنافها وأنواعها إلا هو سبحانه.
قوله: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) أي فيما بينه الله من وجوه النعم والخيرات التي خلقها للعباد لأكبر دليل على تفرد الله تعالى بالإلهية، وعلى حقيقة الكمال في جلاله العظيم وهو ما تجلى في قدرته البالغة وعلمه المطلق وحكمته العليا (لقوم يتفكرون) أي للمتبصرين المدّكرين الذين يتدبرون الآيات ويتفكرون في خلق الله - أما اللاهية قلوبهم وعقولهم عن التبصرة والذكرى، فلا تتفهم مثل هذه الآيات الواضحات البينات 14.
قوله تعالى: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) } .
الليل والنهار آيتان من آيات الله، جعلهما متعاقبين خلفه؛ إذ يخلف أحدهما الآخر - وقد ذللهما الله لبني آدم أيما تذليل لكي يستفيدوا من طبيعتهما وتعاقبهما؛ فقد جعل الله الليل فيه منام للعباد؛ إذ يرقدون فيه ويهجعون - وجعل النهار من أجل السعي والكد والبذل في نشاط وجد - ففيه تتحقق المصالح، وتندرئ المضار، ويتعهد الناس أسباب المعاش والمكاسب من تجارة وصناعة وزراعة وغير ذلك.