فهرس الكتاب
القول الثاني: عدم جواز تولي المناصب العليا في الدولة التي لا تحكم بشريعة الله، واحتجوا لذلك بما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: (يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها - وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها) وكذلك ما رواه مسلم عن أبي موسى قال: أقبلت على النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين: أحدهما عن يميني والآخر عن يساري فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك - فقال: (ما تقول يا أبا موسى) قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما - وما شعرت أنهما يطلبان العمل - فقال: (لن -أو لا- نستعمل على عملنا من أراده) .
وتأويل النهي عن سؤال العمل أو المركز ما بيناه في الفقرة السابقة أنه فيمن يطلب الإمارة وفي الناس من هو خير منه أو مثله في الصلوح لهذا العمل - لكنه إذا لم يكن في المسلمين أكفاء لتولي مثل هذه الولاية أو هذا العمل بات التولي في حق المسلم الكفء لازما ومتعينا.
على أنه يشترط لجواز هذا التولي فوق ما بيناه من شرط، أن يكون المتولي مفوضا في عمله دون معارضة من الحاكم أو مخالفة - وذلك ليستطيع المتولي المسلم الأمين من إصلاح ما أمكن إصلاحه في واقع المسلمين - أما إن كان المتولي لا يعمل برأيه ولا بما ينفع المسلمين بل هوة مقيد تماما بما يفرضه عليه الحاكم من أوامر جائرة مخالفة لشرع الله وتفضي إلى الإضرار بالمسلمين؛ فلا يجوز لمسلم -والحالة هذه- أن يرضى لنفسه مثل هذا العمل في ظل هذا النظام الجائر المفسد 66.
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ 56 وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} الكاف في اسم الإشارة نعت لمصدر محذوف؛ أي ومثل هذا التمكين من إنجائه من السجن وإبرائه من كيد النسوة واستخلاص الملك له، مكنا له في أرض مصر {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء} أي يتخذ من أرض مصر منزلا حيث يشاء - وذلك بعد لبته في السحن بعض سنين حيث الضيق والكرب والحشر.
قوله: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء} كما أصبنا يوسف؛ إذ وطأنا له في الأرض فصار قويا مكينا، وذلك بعد هوان الجب، والصبر على الظلم والكيد، وبعد إسار العبودية والسجن -بعد ذلك كله أعقبناه الفرج والنصر والإعزاز والتمكين {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} لا يبطل الله جزاء من عمل صالحا فأطاع ربه وصبر على بلائه واتقاه.
قوله: {وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} مع كل هذا النصر والتمكين والإعزاز الذي خول الله يوسف إياه؛ فإن جزاء الآخرة لهو خير وأعظم وأكرم وأدوم للمؤمنين المتقين الذين يخشون الله فيطيعونه فيما أمر ونهى