قوله: {فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم} العقر، معناه الجرح أو النحر 120 والمراد هنا النحر - وعتوا، من العتو - نقول: عتا عتوا وعتيا - أي استكبرا استكبارا وجاوز الحد فهو عات 121 - والمعنى: أنهم عقروا الناقة؛ أي قتلوها سواء بالنحر أو الطعن أو القطع - قد نسب العقر إلى الجميع من أن العاقر واحد أو بعض منهم؛ لأنهم جميعا راضون بفعل الجريمة أو أنهم كانوا متمالئين على قتلها - وكذلك قد عتوا عن أمر ربهم بالاستكبار المغالي والإدبار الشنيع.
قوله: {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} أي جئنا يا صالح بما تعدنا من عذاب الله ونقمته إن كنت رسولا من الله حقل إلينا - فقد استعجلوا العذاب استعجالا، وقالوا مقالتهم من التحدي اللئيم الأحمق ليكونوا جنودا طائعين للشيطان الذي زين لهم الكفر والجحود وفعل المعاصي والمنكرات؛ فغاروا سحيقا في الهلاك الملازم والعذاب المستديم بدءا بالتدمير والزلزلة في هذه الدنيا؛ ليتصل ذلك بمستقرهم في العذاب الواصب وهم يتقاحمون في جهنم يوم القيامة.
قوله: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} الرجفة تعني الزلزلة 122 وجاثمين، من الجثوم وهو لزوم المكان - جثم جثوما إذا لزم مكانه فلم يبرحه أو لصق بالأرض فهو جاثم 123 لقد أخذت الرجفة هؤلاء الضالين الظالمين، وهي الزلزلة - وقيل: الصحية؛ إذ تقطعت منها قلوبهم حتى هلكوا {فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي هامدين صرعى لا حياة فيهم ولا حراك 124.
قوله تعالى: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغناكم رسالة ربي ونصحت لكم ولاكن لا تحبون الناصحين} .
خرج صالح من بين أظهر قومه ثمود بعد يأسه من إيمانهم وبعد أن أخبرهم عن وحي الله بإحلال العذاب بهم وعقيب أيام ثلاثة وكانوا قد استعجلوا العذاب.
لقد خرج صالح من بينهم مدبرا وهو متحزن متحسر على كفرهم وجحودهم وعلى مصيرهم البئيس في الدنيا والآخرة - وقال لهم: {يا قوم أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولاكن لا تحبون الناصحين} أي لم آل جهدا في تبليغكم رسالة ربي؛ فقد جهدت في البيان لكم وبذلت لكم في ذلك نصائحي وترشيدي بكل ما وسعني من أسلوب في الترغيب والترهيب - لكنكم معاندون مستكبرون لا تحبون من ينصحكم ويبتغي لكم الخير والنجاة - قال ذلك في شأنهم وهو تغشاه نوبة من الاغتمام والأسى كما يبدو من ظاهر الكلمات الربانية الموحية بحزنه وأسفله على قومه الضالين المعاندين - وقيل: قال لهم ذلك بعد هلاكهم بالرجفة.
قوله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين 80 إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون 81 وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون 82 فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين 83 وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} .
لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية؛ فهو غير مشتق وقد صرف لخفته؛ لأنه من على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط - قال سيبويه: نوح ولوط أسماء أعجمية إلا أنها خفيفة فصرفت - وقيل: لاط يلوط أي عمل عمل قومه كلاوط وتلوط - استلاطه، أي ألزقه بنفسه 125.
ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل وكان معه في أرض بابل من العراق - وقد هاجر إبراهيم إلى الشام ونزل فلسطين وأنزل لوطا الأردن فأرسله الله إلى أهل سدوم بحمص - أو هي مدائن قوم لوط كان قاضيها يقال له سدوم 126.