فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 2536

والمعنى أنكم إذا انحرفتم عن دين الله وعن شرعه وتعاليمه بعد أن سمعتم بالأدلة والبراهين الدامغة على صدق هذا الدين (فاعلموا أن الله عزيز حكيم) فهو عزيز أي قوي قادر، ولا يتمنع عليه شيء يريده - وهو حكيم في أمره وتقديره وما يفرضه أو يفضله، فليس من شيء أو فعل أو تقدير يصدر عنه عبثا من غير قصد أو معنى، وإنما هو في ذلك كله له الحكمة البالغة التي قد ندرك جزاء منها ثم نغفل عن أكثرها - 272

قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور) ذلك تهديد من الله للمعاندين المستنكفين عن عبادة الله الناكبين عن دينه فهو سبحانه يقول لهم: ما ينتظر هؤلاء إلى أن يأتيهم أمر الله وحكمه بما وعدهم من الحساب والعذاب، وذلك في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك كله كائن يوم القيامة إذ يأتي أمر الله ويبعث على الخليقة ظللا من الغمام - والظلل جمع مفردة ظُلة، والغمام معناه السحاب - وتقدير المعنى أن ظللا من السحاب تغشى الناس يوم القيامة مع ما يرافق ذلك من إتيان الملائكة، وإذ ذاك تفنى الحياة والأحياء وتذهب الدنيا ومن عليها لتقوم الساعة ويرجع الأمر كله لله، فيرث الله الدنيا والآخرة جميعا - وفي ذلك يقول سبحانه في الآية نفسها: (وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور) .

قوله تعالى: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينات ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) (سل) من السؤال وأصلها اسأل، حذفت الهمزة وحركت السين فلا حاجة للألف فصارت سل - والفاعل ضمير يعود على المخاطب وهو الرسول (ص) (بني) مفعول به منصوب بالياء - (إسرائيل) مضاف إليه - (كم) في محل نصب مفعول به ثان مقدم للفعل آتينا - والضمير في آتيناهم في محل نصب مفعول به والميم للجمع - (من آياته) - (من) حرف جر زائد - (آية) تمييز.

وفي الآية إخبار عن كثرة البينات والدلائل التي أحسّها بنو إسرائيل على يدي نبيهم ومنقذهم موسى عليه السلام، وذلك كتحول العصا إلى أفعى، وانفلاق البحر بعد ضربه بالعصا، ثم انبجاس الماء من الحجر الصلد بعد أن ضربه موسى بعصاه، وكذلك تظليلهم بالغمام لوقايتهم من حر الصحراء، وإطعامهم المن والسلوى رزقا كريما ميسورا - كل ذلك كان من جملة البراهين والآيات على صدق النبوة التي قدرها الله لكليمه موسى، لكن ذلك لم يجد إلى أسماع بني إسرائيل أو طبائعهم وأذهانهم سبيلا، بل صدوا عن سبيل الله ودينه صدودا وتولوا عن نداء العقل والحجة مدبرين - وذلك منهم بمثابة التبديل الأثيم لنعمة الله بالكفر والتمرد - ونعمة الله تتجلى في دينه الحق.

وقيل: المراد الإخبار عن كثرة البينات القاطعة على صدق نبوة محمد (ص) - فقد كانوا يتلون في كتابهم التوراة عن خبر هذا النبي الأمي وعن صفته فيعرفون عنه الخبر اليقين، إلا أنهم ركبوا متن التعصب والحسد والشطط، فما آمنوا ولا امتثلوا، بل إنهم جحدوا وأنكروا هذه الحقيقة الجلية القاطعة الكبرى - وذلك هو التبديل لنعمة الله وهي الإسلام بالكفر حيث الجحود والزيغ واتباع الهوى والشهوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت