فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 2536

قوله: {وما الله بغافل عما تعملون} (ما) تعمل عمل ليس - لفظ الجلالة اسمها مرفوع - (بغافل) الباء حرف زائد، غافل خبر ما، وغافل من الغفلة وهي غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له على سبيل الإهمال - وحاشا لله سبحانه أن يلحقه شيء من عيوب البشر مثل الغفلة فإنه جل وعلا منزه عن الضعف والنقص كعيوب النسيان أو الغفلة أو غير ذلك من عيوب لا تبرح بني البشر، لكن الله غير غافل عما يعمله الناس، وذلك ينطوي على تخويف وتنذير لأهل الكتاب الذين جحدوا ملة الإسلام وكذبوا خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام - وما أولئك بمفلتين من قبضة الله وعذابه الذي سيحيق بهم لزيغهم وتكذيبهم وفساد قلوبهم.

قوله: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} ذلك قرار يراد به التأكيد لهؤلاء القوم الذين يفاخرون الناس بانتسابهم إلى الآباء والأجداد من النبيين والمرسلين - ويريد الله أن يبين لهم أنه لا وزن ولا اعتبار لهذه المفاخرة بالانتساب لأمة قد مضت؛ ذلك أن الذين مضوا لهم ما عملوا ولكم أنتم ما عملتم، وليس ينفعكم ما قدموه من عمل فهو لأنفسهم غير عائد عليكم، ولن يجديكم نفعا أن تظلوا تتشبثون بالانتماء إليهم والمباهاة بأنكم أحفادهم أو من ذراريهم - 129

قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم) السفهاء مفردها سفيه وهو الخفيف العقل ذو الطيش الذي لا يضبط أقواله وتفكيره سبب من روية أو موضوعية أو اتزان - والمراد بالسفهاء هنا اليهود - وقيل بل اليهود والمشركون والمنافقون جميعا فكهم الذين سألوا في همس تارة في مجاهرة تارة أخرى؛ ليثيروا من حول الإسلام والنبي كل بواعث الشك والتوهيم إذ قالوا: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) .

وفي سبب نزول هذه الآية ذكر عن ابن عباس قوله: إن رسول الله (ص) لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله (ص) بضعة عشر شهرا وكان رسول الله (ص) يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل عز وجل: (فولوا وجوهكم شطره) أي نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فأنزل الله (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) 130.

هكذا يطلق المشركون والمنافقون واليهود في سفاهة وجهل سؤالهم عن تولي المسلمين للقبلة الجديدة - وهو سؤال سخيف وجاهل لا ينطوي على شيء من حسن النية أو سلامة التفكير أو رجاحة العقل - وذلك ديدنهم طيلة تاريخهم العابث الطويل - وهو ديدن السفهاء واللهو وفساد النية أو إطلاق العنان للسان بغير تحفظ ليهرف تهريفا أو يبعث بالعبارة في تسيب وثرثرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت