فهرس الكتاب

الصفحة 619 من 2536

فقوله: {يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة - - فتيمموا} ، أوجب التيمم عند وجوب القيام إلى الصلاة وذلك إذا دخل الوقت - أما الوضوء فلا يشترط دخول الوقت لجوازه، لأن الشرع خصصه بجواز الحصول قبل الوقت - أما الحنفية وأهل الظاهر فلم يشترطوا دخول الوقت لجواز التيمم قياسا على الوضوء فإنه يجوز حصوله قبل الوقت.

وجملة القول في ذلك كله أنكم أيها المؤمنون إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم مرضى مقيمون أو كنتم مسافرين أصحاء أو أن أحدكم قد جاء من قضاء حاجته أو كان جنبا ولم يجد الماء فتيمموا صعيدا طيبا - أي اقصدوا الأرض الطاهرة فتيمموا منها - وهذا مقتضى قوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} أي امسحوا وجوهكم وأيديكم مما علق بأيديكم من الصعيد، على الخلاف في تفصيل ذلك مما بيناه سابقا 43.

إذ تبين ذلك بقي أن ننوه بفضل الوضوء والطهارة، فضلا عن النظافة التي تشير إلى حسن السمت في المؤمن - لا جرم أن حسن سمت المرء ظاهرة من ظواهر الكمال الذي تهوي لبلوغه نفوس البرية السليمة - وفي الحديث"بني الدين على النظافة"أما الوضوء فيكشف عن حقيقته اسمه، وهو من الوضاءة أي الحسن والنظافة 44.

والوضوء والطهارة صنوان بنيا على طهارة الإنسان المؤمن من حيث ظاهره وباطنه ليكون بذلك نقيا سليما من القذر والأدران بكل أنواعها المادية والمعنوية، وفي فضل الطهارة والوضوء روى مسلم بسنده عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحانه الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والصبر ضياء، والصدقة برهان، والقرآن حجة لك أو عليك - كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها".

وروى مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور".

قوله: {وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} أي ما يريد الله بما فرضه عليكم من الوضوء من أجل الصلاة، والغسل من الجنابة، والتيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء، أن يلزمكم في ذلك حرجا، وهو الضيق، ولا ليكلفكم بذلك ما فيه إعنات لكم - وإنما يريد الله بهذا التشريع أن يطهركم بما فرضه عليكم من الوضوء والغسل والتيمم فتكونوا بذلك أطهارا أنقياء من الأدناس والذنوب - ودليل نفي الحرج من هذه الشريعة السمحة القائمة على اليسير والتسهيل ما شرعه الله لعباده من إباحة التيمم عند المرض أو السفر أو فقد الماء أو حاجتهم إليه للشرب - لا جرم أن ذلك رحمة وتوسعة للعباد، فلزم في حقهم أن يبذلوا الله الشكران على ما أفاض عليهم من نعمة التشريع الرحيم - التشريع الذي جاء حافلا بالرحمة والتسهيل والسماحة والرخصة 45.

وذلكم هو شأن الإسلام - هذا الدين الكريم السمح القائم على اليسر والرحمة بالعباد بعيد عن كل ظواهر الضيق والعنت - لا جرم أن هذه مزية كبرى من مزايا الإسلام - تلك المزايا التي تكشف عن كامل الصلوح للإسلام - هذا النظام الهائل الشامل الذي يراعي فطرة الإنسان وينسجم وطبيعته الأساسية الأصيلة 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت