قوله: {مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} الجدال معناه الخصام - والمراد ههنا: الذي يخاصم في تكذيب آيات الله؛ وذلك هو الجدال بالباطل ابتغاء الطعن في دين الله أو تنفيذ آياته ودحضها، وإطفاء نور الله سبحانه؛ وذلك هو ديدن الأشقياء المضلين في كل زمان - أولئك الذين يخاصمون في آيات الكتاب الحكيم أو في دينه العظيم سواء في ذلك عقيدة الإسلام أو تشريعه أو ما ارتبط به من القيم والأحكام والمعاني والأخبار والسِّيَر، فالأشقياء من المتربصين والحاقدين والمتعصبين يكيدون للإسلام بالطعن في أحكامه وآياته ومقاصده وتاريخه، يريدون بذلك تشويه الإسلام لينفر منه الناس نفورا ويزهدوا فيه ويجتنبوه أيما اجتناب - وذلكم هو خصام المضلين المغرضين في آيات الله - وذلك بخلاف الجدال في آيات الله من أجل إيضاح ما التبس منها أو أشكل، ولتفنيد ما يفتريه المبطلون من خصوم الإسلام على هذا الدين، أو ما كان للبحث عن الراجح والمرجوح أو لتبيين المحكم والمتشابه فمثل ذلك جهاد عظيم في سبيل الله.
قوله: {فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ} ينهى الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بتصرف هؤلاء في البلاد فيما يفعلون من التجارب وتحصيل الأرباح وجمع الأموال الكثيرة وما هم فيه من الخير وسعة الحظوظ الدنيوية، فذلك كله متاع صائر إلى زوال 2.
قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) } .
يبين الله في ذلك حال المشركين السابقين من الأمم الغابرة - وأن هؤلاء المشركين الذين جاءوا من بعدهم قد سلكوا طريقهم في الكفر والزيغ عن منهج الله والصَّدِّ عن دينه - وفي ذلك تسلية من الله لرسوله في تكذيب المشركين من قومه له، بأن له أسوة في الذين سلفوا من النبيين؛ فقد كذبتهم أممهم وتحزّبوا عليهم بالصدِّ والجحود وهو قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ} والأحزاب من بعد نوح، كقوم عاد وثمود وغيرهم من المكذبين الذين جحدوا ما جاءهم به المرسلون {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي همت كل أمة من هذه الأمم الجاحدة برسولهم المبعوث فيهم لهدايتهم {لِيَأْخُذُوهُ} أي ليأسروه أو ليحبسوه ويعذبوه أو ليقتلوه.
قوله: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أي خاصموا رسولهم بغير حق؛ بل خاصموه بالشرك والضلال والتكذيب {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أي ليزيلوه - وذلك هو ديدن المشركين المكذبين في كل زمان، إذ يصطنعون الحجج الفاسدة والمخاصمة الشريرة ليبددوا دعوة الحق والهدى وليزيلوا منهج الله من الأرض أو ليُلْبِسوه على الناس إلباسا فيظل في أذهانهم مشوّها مستهجنا.
قوله: {فَأَخَذْتُهُمْ} أي أهلكت هؤلاء المخاصمين المبطلين بالعذاب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي فكيف كان عقابي الذي عاقبتهم به - ألم يروا أنه حق وأنه شديد - وأنتم تمرون على مساكنهم وأرضهم فتعاينون أثر التدمير والعقاب.