وهو قوله: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو} الأخلاء جمع خل وخليل وهو الصديق من المخالة، والخلة بالضم والفتح وهي الصداقة 28 فهم يوم القيامة متنافرون، إذ يكره بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا بعد أن كانوا في الدنيا متحابين تجمع بينهم علائق شتى من أمور الدنيا ومصالحها وغير ذلك من قضايا الشر والظلم والباطل والإيذاء، فضلا عما كان يجمع بينهم من شديد المكائد والمؤامرات للإسلام والمسلمين، فإن اشتداد الكراهية والأحقاد المحتقنة في قلوب الظالمين على اختلاف مللهم وعقائدهم ومذاهبهم تدفعهم للتلاقي بينهم ليكونوا أخلاء متحدين من أجل التصدي للإسلام والمسلمين، والكيد لهم - أولئك المتحابون في الدنيا، المجتمعون على العدوان والكيد للإسلام والمسلمين لإضعافهم وإذلالهم وإبادتهم، إنما ينقلبون يوم القيامة متباعضين متلاعبين بعد أن انقطعت بينهم أسباب المودة والتلاقي، واشتغل كل واحد منهم بنفسه، ووجدوا ما كان يجعلهم أخلاء، أسبابا لهلاكهم وخسرانهم فصار بعضهم لبعض عدوا {إلا المتقين} فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، لأن ما كان يجمعهم في الدنيا من أسباب الخير وعلائق الدين والعقيدة لم ينقطع يوم القيامة - بل بقيت خلّتهم على حالها من ثبات التوثيق ومتانة الرباط.
قوله: {ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} ذلك نداء من الله يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر حيث الأهوال المخوفة والبلايا التي تقصم القلوب- إذ ينادي به عباده المؤمنين المتقين وقد غشى الناس من الهم والترويع واليأس ما غشيهم: أن يا عبادي الذين آمنوا واتقوا وأخلصوا دينهم لربهم {لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} أي لا تخافوا مما ترونه من الأفزاع والأهوال فأنتم آمنون مطمئنون {ولا أنتم تحزنون} على فراق الدنيا وما فيها من الأصحاب والأحباب والخلان والمصالح والأموال والقربات والذكريات، فإن الذي قدمتم عليه لهو خير لكم مما فارقتموه في الدنيا.
وذكر أن الناس ينادون هذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها حتى يسمع قوله: {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} فييأس منها عند ذلك.
قوله: {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} {الذين} في موضع نصب على أنه نعت للمنادى المضاف {ياعباد} وقيل: في موضع رفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف وتقديره: هم الذين آمنوا - وقيل: خبر لمبتدأ محذوف، والأول أظهر - فيكون المعنى: يا عبادي الذين آمنوا وصدقوا بكتب الله ورسله وكانوا مذعنين لله - بخضوعهم لجلاله وطاعتهم لأوامره، أولئك يناديهم ربهم يوم القيامة {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} .
قوله: {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} ينادي الله المؤمنين المتقين، أن ادخلوا الجنة أنتم وزوجاتكم المؤمنات فأنتم جميعا في الجنة {تحبرون} أي تسرون وتفرحون وتنعمون - من الحبور، وهو السرور 29.
قوله: {يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب} الصحاف جمع صحفة وهي إناء كالقصعة - وقال الزمخشري: الصحفة: قصعة مستطيلة 30 والأكواب، جمع كوب وهو كوز مستدير الرأس لا أذن له - ويقال: قدح لا عروة له 31.