قوله: {وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ} ينزل الله لعباده من الأرزاق ما يختاره لهم مما فيه صلاحهم - وهو سبحانه أعلم بذلك - فيغني من يستحق الغنى ويفقر من يستحق الفقر - وقد جاء في الحديث:"إن من عبادي من لا يصلحهُ إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه".
قوله: {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} الله خبير بما يصلح عباده وبما يفسدهم من الغنى والفقر، أو من السعة والإقتار؛ فهو يعلم كل ما يصلحهم أو يضرهم - وهو سبحانه بصير بتدبيرهم وتصريف أمورهم بما فيه خيرهم وصلاحهم.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} من العلامات الدالة على قدرة الله الصانع الحكيم أنه ينزل الغيث وهو المطر - ينزله من السماء إلى الأرض ليغيث به العباد {مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} أي يصيبهم المطر فيحيي به الله الأرض بعد موتها فيشيع فيها الخير والخصب والنماء من بعد أن يئس الناس من نزوله {وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} المراد بالرحمة الغيث وهو المطر النزل من السماء؛ فإن الله ينشره على العباد ليعم به الأقطار والبلاد - قوله: {وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} أي المستحق للحمد من عباده على ما أسبغ عليهم من جزيل الخيرات والعطايا 31.
قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) } .
يبين الله بعض آياته الدالة على عظمته وبالغ قدرته ورفيع سلطانه؛ فإنه خلق السماوات والأرض - وهذان خلْقان هائلان عظيمان لا يدرك مدى اتساعهما وعظمتهما غير الله - وهو سبحانه الذي خلق فيهما وما بينهما كل دابة - وهو قوله: {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} ذرأ السماوات والأرض كل ذي دبيب يتحرك أو يدب على الأرض وغيرها من الأجرام - وذلك يشمل الملائكة والأناسي والجن وسائر البهائم والحيوانات على اختلاف صورها وأشكالها وأجناسها وطبائعها وأحجامها.
لقد ذرأهم الله جميعا ووزعهم توزيعا ليكونوا منتشرين في أقطار السماوات والأرض {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} يجمع الله بمشيئته وقدرته سائر المخلوقات يوم القيامة فيجمع الأولين والآخرين من الناس وغيرهم من الخلائق في صعيد واحد - وذلكم صعيد الحشر، استعدادا لملاقاة الحساب والجزاء فيحكم الله فيهم بحكمه العدل الذي لا يجوز ولا يزيغ.
قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي ما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم أو أهليكم أو أموالكم أو غير ذلك من وجوه المصائب فإنما ذلك عقوبة لكم من الله بما اجترحتم من السيئات والذنوب.