ومثل هذه المقالة من هود لقومه العتاة المستكبرين يكشف عن مبلغ الثقة الكبرى بنصر الله وتأييده وتوفيقه، وأن الله جل وعلا مع المتقين المخلصين الصابرين في كل الأحوال، وعلى الخصوص في أحوال الخوف والتنكيل واشتداد البأس وتمالئ الكافرين على المؤمنين المستضعفين.
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 54]
قوله: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} {إن} ، حرف نفي بمعنى ما؛ أي ما نقول إلا أن بعض آلهتنا من الأصنام قد أصابك {بسوء} بجنون أو خبل؛ لأنك تسبها وتعيبها وتسفه عقولنا لعبادتها، ومن اجل ذلك أصابك ما أصابك في عقلك من المس.
هكذا يفتري الجاحدون والجاهلون والسفهاء الذين لا يعبأون إذا ما غلوا في الكذب والمكابرة ومقالة السوء؛ فها هم فوق حماقتهم وسفههم في عبادة أحجار صم يفترون مثل هذا الضرب من هوان التفكير المخبول 68 ليقولوا ما قالوه لنبيهم هود عليه السلام.
قوله: {قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون} هذا جواب هود لقومه وهو أنني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أنتم على براءتي من شرككم ومما تعبدون من دون الله من أوثان {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} أي فامكروا بي أنتم وأصنامكم جميعا واعلموا ما شئتم لضري وإيذائي ولا تؤخروا ذلك، فانظروا بعد ذلك هل تنالون مني انتم وأصنامكم سوءا؟!
ومثل هذه المقالة من هود لقومه العتاة المستكبرين يكشف عن مبلغ الثقة الكبرى بنصر الله وتأييده وتوفيقه، وأن الله جل وعلا مع المتقين المخلصين الصابرين في كل الأحوال، وعلى الخصوص في أحوال الخوف والتنكيل واشتداد البأس وتمالئ الكافرين على المؤمنين المستضعفين.
قوله: {إني توكلت على الله ربي وربكم} {توكلت} ، من التوكل وهو إظهار العجز والاعتماد على غيرك، والاسم: التكلان، اتكل على الله توكيل عليه؛ أي استسلم إليه 69؛ أي فوضت أمري إلى الله، واستسلمت لجلاله فهو مالكي ومالككم وهو يكلأني من شركم وإيذائكم - ويدرأ عني مكركم وسوءكم.
قوله {ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها} الناصية، مقدم الرأس، أو شعر مقدم الرأس إذا طال، وجمعه: النواصي، والناصيات.
ويقال: أذل فلان ناصية فلان: أهانه وحط من قدره، وفلان ناصية قومه: شريفهم - قال الرازي في هذا الصدد - اعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع، قالوا: ما ناصية فلان غلا بيد فلان؛ أي أنه مطيع له؛ لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته - وكانوا إذا أسروا الأسير فأردوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره - فخوطبوا في القرآن بما يعرفون - فقوله: {وما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها} أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته ومنقاد لقضائه وقدره 70.
قوله: {أن ربي على صراط مستقيم} صراط الله، طرقه ومنهجه، الذي يدعو الناس لاتباعه دون مجانية أو تفريط؛ فهو المنهج الحق الذي يقضي بين العباد بالعدل والاستقامة 71.