بعد أن قامت الحجة على فرعون وملئه من المشركين الظالمين، خشي هذا اللعين أن يشيع دين موسى في البلاد بما لديه من قوة الأدلة والبراهين - ومن أجل ذلك أزمع فرعون على التصدي لموسى والذين معه بالقتل والإبادة - فأوحى الله إلى كليمه موسى بالخروج وقومه من البلاد تنجية لهم من كيد فرعون، فخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا ومضى بهم إلى حيث أمره الله وهم يحملون معهم ما استعاروه من القبط من الحلي ليتزينوا به في عيدهم - وهو قوله: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون وجنوده ليردوكم إلى القهر والاستعباد.
قوله: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} أي بعث فرعون إلى الأقاليم في البلاد من يجمع جنوده وعساكره ليمضوا في أثر بني إسرائيل
وقد نادى فيهم
{إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}
{إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} الشرذمة، الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء 14 فقد وصفهم بالقلة والذلة - وذلك على سبيل الاستهجان والاستخفاف والاستضعاف - وقد احتشد من حوله أتباعه من العساكر والجنود والرعاع فكانوا جمعا عظيما من الخلق - ولقد لحقوا بموسى ومن معه من بني إسرائيل لكي يردوهم إلى حكمهم حيث القهر والإذلال والتسلط الظالم.
قوله: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} اللام للتأكيد - وغائطون من الغيط وهو الغضب
يعني يفعلون ما يغيظنا
وهو خروجهم سرا من غير أن نأذن لهم بذلك، فضلا عن تمردهم على أمرنا وحكمنا، وخروجهم عن العبودية لنا ليستقلوا بأنفسهم عنا.
قوله: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {حَاذِرُونَ} جمع حاذر، وهو المستعد
أو حذر وهو المتيقظ المنتبه
والمعنى: أننا مجتمعون وقد أخذنا حذرنا واستعدادنا للقضاء على بني إسرائيل واستئصال شأفتهم.
قوله: {فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أخرج الله فرعون وجنوده وأتباعه وأعوانه من أرض مصر حيث البساتين والزروع والثمرات والأنهار والأموال والجاه والسلطان {وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}
{وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} الكنوز، يراد بها الخزائن
وقيل: الدفائن من الذهب والفضة
والمقام الكريم، يراد به المساكن الفاخرة العظام والمجالس
البهية الحسان التي كانت لفرعون وجنده وملئه يتنعمون فيها وهم تحيط بهم ظواهر العزة والمجد.
قوله: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} الكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف - أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم - أو في موضع رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف - والتقدير: الأمر مثل ذلك.
قوله: {وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} والمراد أن جميع ما ذكر من الجنات والعيون والأنهار والكنوز والمنازل الحسنة أورثه الله بني إسرائيل؛ إذ رجعوا إلى مصر -بعد مهلك فرعون وجنده- سالمين آمنين غانمين 15.