قوله: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} أطهر من الخواطر التي تعرض للرجال من أمر النساء، وللنساء من أمر الرجال وكيلا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل - وسرعان ما ينفذ الشيطان اللعين إلى نفس الناظر والمنظور كليهما - وذلك لدى التخاطب بينهما في البيوت أو الخلوات - ومن أجل ذلك قطعت الشريعة الإسلامية كل سبيل للشيطان وكل احتمالات الوساوس والخواطر المريبة التي تؤزّ النفس وتثير فيها الانفعال والتململ بعد السكينة والرقاد.
ويستدل من هذه الآية الكريمة أنه ما ينبغي لأحد من الناس أن يثق بنفسه في الخلوة بامرأة أجنبية - فإن مجانبة الخلوة بالأجنبية أحصن للنفس، وأنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وهذه حقيقة ظاهرة للعيان فلا يجهلها إلا الجاهلون، ولا يجحده إلا الأفاكون السادرون في الخطيئة والغواية والفسق - حقيقة الحيلولة دون الخلوة المريبة بين الذكر والأنثى - فهما ما يلبثان أن يختليا مرات مكرورة حتى يختلج في نفسيهما طارق الفتنة المنبعثة، ووخز الغريزة المشبوبة الحرّى.
إنها حقيقة نبَّه إليها الإسلام أشدَّ تنبيه، صرفا للفتنة، وصونا للهمم أن تلين، ودرءا للفحات الشهوة أن تستفحل وتستعر - حقيقة قد غفل عنها صانعو الحضارة المادية الحديثة الذين غرروا بالمجتمعات أشنع تغرير فانتكسوا بها إلى الحضيض من التهتك والتفكك والإباحية.
قوله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} ذلك تكرار للنهي عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بمختلف وجوه الإذاية - ثم نهى سبحانه عن نكاح أزواجه من بعده، فزوجاته صلى الله عليه وسلم أمهات للمسلمين في حياته وبعد مماته - وهذه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم - فقد خصَّه الله بجملة أحكام لم يشاركه فيها أحد، تنبيها لرشفه المميز، وعلو منزلته الفضلى - وليت شعري هل لامرئ فيه مسكة من عقل أو بقية من طبع سليم يجترئ على مجرد الرغبة في واحدة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن الأمهات الفضليات لسائر المؤمنين في الدنيا والآخرة؟!
قوله: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} الإشارة إلى إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذلك بأي وجه من وجوه الإيذاء من القول أو الفعل - وكذلك نكاح أزواجه من بعده فإن ذلك جُرم عظيم وهو من أكبر الكبائر.
قوله: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} ذلك وعيد من الله لمن يقترف الخطايا في السر والعلن ولمن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: لأتزوجن زوجته بعد مماته - وهي مقالة سوء لا يجترئ على النطق بها إلا ظلوم جهول - والله عليم بذلك كله لا يخفى عليه منه شيء ويستوي عنده الظاهر والباطن 83
55 - (لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا)
قوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} .