القول الثاني: المرد بالسبيل للكافرين على المؤمنين هو الاستيلاء المطبق الذي يكون فيه استئصال شأفة المسلمين والقضاء عليهم قضاء مبرما تتبدد فيه دولتهم وكلمتهم وينمحي فيه كيانهم البتة - أما إذا ألمت بهم هزيمة جانبية فذلك ليس بغريب وهو من ابتلاء الله لعباده المؤمنين؛ إذ يكون لهم النصر تارة ولأعدائهم تارة أخرى، لكن هزيمة فيها اصطلامهم ومحوهم وإبادتهم فغير كائنة بعون الله.
القول الثالث: يكون السبيل للكافرين على المؤمنين إذا انصرف المؤمنون عن دينهم فاستحبوا العمى على الهدى وارتضوا بشريعة الكفر والباطل لتكون مكان شريعة الله ولم يغيروا من واقع المعصية والفساد حتى استشرى ذلك بين العباد، فعمت الرذيلة والفوضى، واسترخى المسلمون للشهوات فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر - فإذا بلغ الأمر كذلك أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده فيسلط عليهم من الأعداء اللد من يستبيح دماءهم وديارهم ثم ينكل بهم أشد تنكيل أو ينتزعهم من وطنهم ليتفرقوا في البلاد ضائعين حيارى أو يقضي على كيانهم ودولتهم ليظلوا ضعافا مهزومين.
مثل هذه الحالة من العصيان والفساد يبلغها المسلمون، تبرر التدمير والاستئصال والإبادة - ذلك ما ذهب إليه بعض المفسرين في تأويل هذا النص القرآني الكريم - وهو تأويل تعززه وقائع رهيبة حلت بالمسلمين فذاقوا خلالها ويلات وشدائد على ضروب من البلاء كثيرة ومتعددة منها التقتيل والتشريد وتخريب العمران والبنيان والاستئصال الكامل للحضارة من أساسها حتى باتت أثرا بعد عين - وما كان ذلك إلا بعد أن ذهل المسلمون عن دينهم فأخلدوا للشهوات والهوى وتركوا شريعة الله وراءهم ظهريا 171.
قوله تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) الخداع معناه الإظهار بغير ما يخفى وإلحاق الأذى والمكروه بالمخدوع 172 - والمراد أن المنافقين يتوهمون رواج أمرهم عند الله مثلما راج عند البشر - والمسلمون إنما يقاضون المنافقين بحسب الظاهر من سلوكهم وليس لهم في ذلك أن ينقبوا عن قلوبهم ونواياهم فإن ذلك متروك إلى الله - ولئن راج أمر المنافقين في الدنيا وخفي شأنهم على الناس بتدسيسهم وتلصصهم وأساليبهم في الخداع والمراوغة، فإن ذلك لا يخفى على الله وهو العالم بالأسرار المطلع على الخبايا - وقوله: (وهو خادعهم) أي مجازيهم على سوء نواياهم وفساد أعمالهم وخداعهم المسلمين ومن ذلك أن يستدرجهم الله من حيث لا يعلمون إلى حيث هلاكهم في مقابل اعتقادهم أنهم قادرون على خداع الله.
وقوله: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس) هذه حال المنافقين إذ قاموا إلى الصلاة، فإنهم لا يقومون إلا في تثاقل وتقاعس وكسل - وهم لا يحفزهم إلى ذلك شيء من رغبة أو يقين إلا المراءاة طلبا لمرضاة الناس أو تخلصا من جزاء يفرض عليهم لتقصيرهم وتخلفهم عن أداء واجب من الواجبات - والرياء هو التظاهر بالسلوك الحسن ليراه الناس من غير إخلاص لله أو ابتغاء لرضوانه، وهو صورة من صور الشرك بل هو الشرك الأصغر - وفي الحديث الشريف"اليسير من الرياء شرك".