وفي جملة ذلك كله قال الطبري رحمه الله - إذا أكل آكل من الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه وينهك قواه ويشغله عن طاعة ربه وأداء فرائضه؛ فذلك من السرف - وأن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه وينهك قواه ويضعفه عن أداء فرائض ربه؛ فذلك من الإقتار، وبين ذلك القوام - فأما اتخاذ الثوب للجمال يلبسه عند اجتماعه مع الناس وحضوره المحافل والجمع والأعياد دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قوّاه على عبادة ربه مما ارتفع عما قد يسد الجوع مما هو دونه من الأغذية؛ فذلك خارج عن معنى الإسراف بل ذلك من القوام؛ لأن النبي (ص) قد أمر ببعض ذلك وحض على بعضه كقوله:"ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين، ثوبا لمهنته، وثوبا لجمعته وعيده"وكقوله:"إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثره عليه"وما أشبه ذلك من الأخبار 54.
قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) } روي في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا عليه الصلاة والسلام فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن - لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى قوله: (غفورا رحيما) 55.
وروى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: سئل رسول الله (ص) أي الذنب أكبر؟ قال:"أن تجعل لله ندا وهو خلقك"قال: ثم أي؟ قال:"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"قال: ثم أي؟ قال:"أن تزاني حليلة جارك"قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) الآيات 56 - على أن كبرى الصفات المميزة لعباد الله المؤمنين: أنهم يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا - ذلك أن الشرك ظلم فادع ومريع ومهلك؛ إذ يفضي بالمشرك الظلوم إلى جهنم ليجد مقامه فيها خالدا مع الخالدين - ومن صفاتهم أيضا أنهم (لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) فقتل النفس المؤمنة البريئة ظلما يأتي في غاية البشاعة والنكر من الموبقات؛ فإنه لا يجترئ على قتل المؤمنين الأبرياء إلا المجرمون وأكابر العصاة الفاسقين الذين تحل بهم اللعائن من الله وملائكته قبل أن يُصار بهم إلى جهنم وبئس المصير.
ثم استثنى من التحريم ما كان بالحق؛ أي بما يحق أن يقتل به النفوس، من قود، أو كفر بعد إيمان وهو الارتداد عن ملة الإسلام، أو زنا بعد إحصان - وفي ذلك روى البيهقي وأبو داود عن عبد الله قال: قال رسول الله (ص) :"لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا أحد ثلاثة نفر: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".