قوله تعالى: (وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون) إذ تأتي في محل نصب على الظرفية الزمانية، وقوله (وعدنا) من المواعدة وأصلها الوعد الذي قرره الله عز وجل لموسى عليه السلام، فقد قرر مواعدته لموسى على الجبل في طور سيناء وذلك في ميقات امتد أربعين ليلة، وقد كان تقدير الفترة الزمنية للميقات في الأصل أن تكون ثلاثين ليلة، لكنها زيدت بعشر ليال أخريات، فكان هذا التأخر باعثا لبني إسرائيل على التطرف والشذوذ كعادتهم فقالوا عن موسى: قد أخلفنا موعده، وبعدها سقط اليهود في زلتهم الفادحة ظنا منهم أن موسى لن يعود فاتخذوا لهم من بعده إلها عجلا له خوار فبعدوه من دون الله وذهلوا عن ملة التوحيد وعن موثقهم الذي وثقوا به من الالتزام على الدوام بدين موسى نبيهم ومنقذهم.
قوله: (وأنتم ظالمون) الواو للحال والجملة الاسمية من المبتدأ وخبره في محل نصب حال، لقد فعل اليهود فعلتهم النكراء باتخاذهم العجل إلها فكانوا بذلك ظالمين أي مشركين، والظلم معناه الشرك وهو في اللغة وضع الشيء في غير موضعه.
وقوله: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك) العفو معناه المحو والإسقاط، نقول عفا الله عنك أي محا ذنوبك، وعفوت عنك الحق أي أسقطته عنك، نقول عافاه الله أي محا عنه الأسقام وتأتي عفا أيضا بمعنى كثر، نقول عفا الشيء أي كثر وزاد، وفي الآية الكريمة (حتى عفوا) أي كثروا وفي الحديث الشريف،"أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى"أي اتركوها لكي تكثر وتطول.
والفرق بين المغفرة والعفو، أن الأولى تكون من غير ذنوب قارفها العبد، لكن العفو يمكن أن يكون بعد مقارفة العبد للذنوب، وعلى هذا فقد عفا الله عن بني إسرائيل بعد أن ارتكبوا أسوأ جريرة وهي عبادتهم للعجل، وكان ذلك بعد أن أرهقهم الله بتكليف يؤدونه ليكون لهم عند الله توبة عوضا عن إفراطهم في اتخاذهم العجل إلها، فكان التكليف أن يقتلوا جميعا فيضرب رقاب بعض على نحو ما سنبينه في موضعه من هذه السورة إن شاء الله.
قوله: (لعلكم تشكرون) كاف للمخاطب في (لعلكم) في محل نصب اسم لعل والميم للجمع، والجملة الفعلية في قوله: (تشكرون) في محل رفع خبر لعل، والشكر هو الاعتراف بالنعمة عن طريق القول والفعل، أما القول فهو دوام النطق والإقرار بنعمة الله بوساطة اللسان، والفعل يتحقق بأداء الطاعات وتجنب المعاصي، ونقيض الشكر الكفر وهو الجحود ونكران النعمة والجميل، وفي الحديث"لا يشكر الله من لا يشكر الناس"ومن الشكر الشكران ونقيضه الكفران.
لقد عفا الله عن بني إسرائيل ما اقترفوه من جريمة الإشراك بعد أن أرهقهم بعذاب الاقتتال عسى أن يكون ذلك باعثا لهم على الفيئة إلى الله والاعتراف بأنعمه التي أسبغها عليهم فيكونوا بذلك له من الشاكرين.
قوله تعالى: (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون) إذ تفيد الظرفية الزمانية للماضي وآتينا بمعنى أعطينا فقد أعطى الله كليمه موسى الكتاب والفرقان، أما الكتاب فهو التوراة بغير خلاف، لكن الإشكال في المقصود بالفرقان - فقد ورد في ذلك أقوال كثيرة تتراوح بين التوسط والبعد، لكننا نقتضب من بين ذلك أقوالا ثلاثة في المقصود بالفرقان وهي: