فهرس الكتاب

الصفحة 1343 من 2536

قوله: (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) ، الجملة في محل نصب حال من: (أنكاثا) ، (دخلا) ، مفعول ثان لقوله: (تتخذون) ، وقيل: مفعول لأجله - والدخل، بالتحريك، ما داخلك من فساد في عقل أو جسم، ويعني أيضا: الغدر والمكر والخديعة 110 - والمراد: أنكم تجعلون أيمانكم التي حلتم بها لمن عاقدتموهم من الناس (دخلا بينكم) ، أي: خديعة وغرورا، لكي يطمئنوا إليكم، وأنتم تخفون لهم في أنفسكم الغدر وعدم الوفاء لهم بالعهد، والانتقال إلى قوم آخرين لكونهم أكثر عددا منهم - وهو قوله: (أن تكون أمة هي أربى من أمة) ، أي: بسبب أن تكون، أو مخافة أن تكون جماعة أزيد عددا من جماعة، أو ناس أكثر من ناس - وقد قيل: كانوا يخالفون الحلفاء فيجدون غيرهم أكثر منهم مالا وأعز نفرا وأزيد عددا، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء لقوتهم وكثرتهم - وذلك خلق الأرذال والخائنين والخائرين من الناس الذين لا تمسكهم عقيدة ولا يشدهم عهد أو ميثاق، لكنهم سجيتهم الغدر والخداع ونقض العهود كلما سنحت الظروف ليجنحوا إلى حلفاء أقوياء جدد - أولئك هم الأرذلون المنافقون الذين يلهثون خلف الأهواء والمفاسد من خسائس الأغراض والمنافع - لكن المسلمين شيمتهم الثبات على العقيدة والمبدأ ودوام التلبس بخلق الإسلام في رعي العهود وصون الأيمان والمواثيق، والثبات على الحق والفضيلة في كل الأحوال والأزمات دون زيغ أو انحراف أو اضطراب مهما تكن الظروف من الشدة واحتدام البأس والكروب - وقوله: (تكون) ، فعل تام، و (أمة) ، فاعله - أو فعل ناقص، و (أمة) ، اسمها - وخبرها (أربى) 111.

قوله: (إنما يبلوكم الله به) ، الضمير في قوله: (به) ، يعود على المصدر من (أن تكون) ، والتقدير: إنما يبلوكم الله بكون أمة؛ أي: يختبركم الله بكونهم أربى منكم، لينظر أتصبرون على الثبات على الحق والوفاء بعهد الله وما وكدتم من الأيمان، أم أنكم تغترون بكثرة المشركين وقلة المسلمين وفقرهم، فتميلون إلى عدو الله وعدوكم وهم المشركون.

قوله: (وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون) ، لسوف يبين الله للناس إذا جيء بهم يوم القيامة ما كانوا يختلفون فيه في الدنيا؛ إذ كان المؤمنون يقرون بوحدانية الله ويصدقون المرسلين وخاتمهم محمد بن عبد الله عليه وعليهم صلوات الله وسلامه، وكان المشركون والظالمون يجحدون الرسالات جميعا أو بعضها؛ فقد جحدت يهود بعض النبيين، من بينهم: محمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام - وجحدت النصارى نبوة الرسول الأعظم خاتم النبيين والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - لكن المسلمون صدقوا النبيين أجمعين وأيقنوا أنهم جميعا على الحق وأنهم قد أوحي إليهم - وكذلك كان اختلاف الناس في الدنيا - ويوم القيامة يلاقون الجزاء ليجد كل فريق منهم سبيله إما إلى النعيم، وإما إلى الجحيم 112.

قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (93) } ، لو أراد الله أن يجعل الناس على ملة واحدة أو دين واحد، وهو الإسلام، لجعلهم، لكن الله يضل من علم منه اختيار الضلالة، ويهدي من علم منه اختيار الهداية - قوله: (ولتسألن عما كنتم تعملون) ، ذلك تأكيد من الله على أنه سائل الناس جميعا يوم القيامة، فمحاسبهم على أعمالهم، ليجزي المؤمنين الطائعين حسن الجزاء، ويجزي الجاحدين والفاسقين والمسيئين العذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت