قوله: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} جملة {تَقْشَعِرُّ} صفة لكتاب، أو حال منه، أو مستأنفة - والمصدر اقشعرار، وقشعريرة - والمعنى: أن المؤمنين المتقين إذا سمعوا القرآن وما فيه من القوارع وآيات الوعيد والتهديد وأخبار الساعة وأهوالها أصبهم لفزع وغشيهم من الرهبة والخشية ما تقشعرّ به جلودهم، وتضطرب منه قلوبهم وأبدانهم.
قوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} يعني إذا ذكرت آيات الرحمة سكنت قلوبهم واطمأنت، وزال عنها ما كان بها من الفزع والقشعريرة - وليس في الآية أكثر من نعت المؤمنين الخاشعين باقشعرار القلوب والجلود من آيات الكتاب الحكيم ثم سكونهم وطمأنينتهم إلى رحمة الله سبحانه - فلن تنعتهم الآية بالصعق والغشيان كما يفعله أهل البدع وبعض المتصوفة؛ إذ يُصرعون عند قراءة القرآن، ويفقدون عقولهم ويضربون رؤوسهم الأرض - وذلك ضرب من الابتداع المستهجن الذي يتلبس به المبتدعون الجهال - وهم في ذلك ليسوا بأخشع وأورع من الصحابة الكرام وهم خير جيل أقلَّتهُ هذه الغبراء فما كانوا يُصعقون ولا يسقطون وما كانت عقولهم لتذهب بسماع القرآن - وإنما كانوا يسكنون ويطمئنون وتخشع قلوبهم وتبكي عيونهم وهم حينئذ في غاية التنبه والادكار والتيقظ.
قوله: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} {ذلكَ} ، إشارة إلى الكتاب الذي هو أحسن الحديث، فهو هدى الله يهدي به من يشاء هدايته بتوفيقه للتذكر والتدبر والاعتبار.
قوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يضلل الله من العباد من ساء استعداده وفسدت فطرته فنفر من الحق والهداية - ومن كان كذلك {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} ليس له من أحد غير الله يرشده ويدله إلى الهداية والصواب.
قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} : ذكر الوجه للاتقاء به من سوء العذاب، وهو (الوجه) أشرف الأعضاء في الإنسان؛ فإن الخاسر الذي يلقى في النار تكون يداه مغلولتين إلى عنقه فلا يستطيع أن يتقي النار حينئذ إلا بوجهه - فمن كان شأنه هكذا وهو اتقاؤه النار وسوء العذاب يوم القيامة بوجهه، ويداه مغلولتان، كمن و آمن لا يصيبه مكروه ولا أذى بل هو ناج مطمئن.
قوله: {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} معطوف على {يَتَّقِي بِوَجْهِهِ} أي يتقي النار وسوء العذاب بوجهه، ويقال لهم من خزنة جهنم على سبيل التعنيف والتقريع وزيادة في التنكيل {ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} أي ذوقوا وبال كسبكم للكفر والعصيان في الدنيا.
قوله: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}
يعني أهلك الله القرون الماضية الذين سبقوا هؤلاء بسبب كفرهم وتكذيبهم؛
إذْ أتاهم عذاب الله فجأة ومن حيث لم يحتسبوا.