فهرس الكتاب
هذا مثل ضربه الله للمؤمنين والكافرين ليكون عظة وذكرى لمن يدّكر أو يعتبر؛ فقد مثّل الله حال الفريقين بحال رجلين جعل لأحدهما جنتين؛ أي بساتين من أعناب وقد حفت بهما أشجار النخل الباسقة من كل الجهات زيادة في الجمال وحسن المنظر - وهو قوله: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا) (وحففناهما) ، أي أطفنا بهما من جوانبهما - حف القوم بفلان وحفوا به، أي أطافوا به واستداروا كقوله سبحانه: (وترى الملائكة حافين من حول العرش) حفّه بالشيء كما يحف الهودج بالثياب 47 - والمعنى: رزقنا أحدهما بساتين من كروم وجعلنا النخل حافا بهما؛ أي محيطا بكهما من كل الجوانب (وجعلنا بينهما زرعا) أي جعلنا وسط الأعناب في البساتين زروعا لتكتمل الجنتان في حسنهما ووافر عطائهما.
قوله: (كلتا الجنتين آتت أكلها) كل واحدة من الجنتين أعطت ثمارها غير منقوص وهو قوله: (ولم تظلم منه شيئا) أي لم تنقص منه شيئا - قوله:(وفجرنا
خلالهما نهارا) (وفجرنا) من التفجير وهو الانبجاس؛ فجر الماء فانفجر؛ أب بجسه فابنجس 48 أي جعلنا الأنهار تنبجس في كل مكان وسط البساتين.
قوله: (وكان له ثمر) الضمير يعود على صاحب الجنتين - والمراد بالثمر المال؛ أي كان أنواع من المال كالذهب والفضة ونحوهما (فقال لصاحبه وهو يحاوره) يحاوره: يجاوبه ويجادله، من الحوار وهو حديث يجري بين شخصين أو أكثر 49؛ أي قال صاحب البساتين لصاحبه المؤمن الذي لا مال له- قال له وهو يجادله ويخاصمه مفاخرا مغترا بماله وبساتينه وثماره (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) هذا المغرور يفاخر صاحبه المؤمن غير ذي المال بأنه أكثر منه مالا وأقوى رهطا وعشيرة وأكثر أولادا.
قوله: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه) دخل هذا المغرور الجاحد جنته (وهو ظالم لنفسه) الجملة في محل نصب على الحال - وظلمه لنفسه بسبب غروره وغفلته وإنكاره المعاد - ثم قال لدى دخوله جنته مغترا جاحدا (ما أظن أن تبيد هذه أبدا) وذلك لما رآه من حسن الجنتين وكمالهما وما فيهما من الثمار والزرع والأنهار فاغترّ بذلك اغترارا ظن أن هذه الجنة دائمة لا تفنى وأن الساعة لا تقوم - وهو قوله: (وما أظن الساعة قائمة)
(وما أظن الساعة قائمة) أي ما أحسب القيامة التي وعد بها المؤمنون كائنة.
قوله: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) أي لئن رجعت إلى ربي يوم القيامة- وهو غير موقن بقيامها في الأصل- ليكونن لي عند ربي ما هو خير من جنتي هاتين - وهو في ذلك يوهم نفسه أنه لم يٌعط هاتين الجنتين في هذه الدنيا إلا لكرامته على الله، ولكونه مفضلا مقربا من ربه، فلسوف يجد عنده بعد المعاد (خيرا منها منقلبا) (منقلبا) منصوب على التمييز - وهو المرجع والمرد 50.