وإذا قيل: كيف يطلب سليمان الدنيا مع ذمِّها من الله تعالى؟ - أجيبَ بأن المراد بسؤاله الملك أن يتمكن به من أداء حقوق الله وإقامة حدوده وإنفاذه شرعه وأحكامه وتعظيم شعائره - ولا يتحقق ذلك إلا من جهة السلطان؛ فإنه بهيبته وجاهِهِ وبما لديه من قوة الدولة وسلطانها وعزها وعساكرها، تسير الأمور والأحوال في ظل شريعة سيرا موصولا مستقيما وعلى ما يُرام.
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} استجاب الله دعاء سليمان فأعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؛ إذْ سخّر له الريح فهي {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً} من الرخاوة
أي تسير الريح بأمر سليمان طيبة لينة مع قوتها وشدتها كيلا تضر بأحد {حَيْثُ أَصَابَ} أي أراد وقصد.
قوله: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} : {كُلَّ} بدل من الشياطين؛ أي سخر الله لسليمان الشياطين فسلَّطهُ عليها تسليطا، فاستعملها فيما شاء من أعماله، من بناء وغوص؛ أي استعملهم بناءين وغواصين، فالبناءون يصنعون المحاريب والتماثيل - والغواصون يستخرجون الحلي من البحار.
{وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ}
والمراد بالآخرين مردة الشياطين؛
فقد قرنهم في قيود الحديد وسلاسله.
قوله: {هَذَا عَطَاؤُنَا} الإشارة عائدة إلى الملك الذي أعطاه الله إياه.
قوله: {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي اعط من شئت ما شئت من الملك الذي أوتيته، وامنع من شئت ما شئت منه فليس عليك في ذلك تبعة ولا حساب.
قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ} : له عند الله قربة وحُسن مرجع يوم القيامة.