فهرس الكتاب

الصفحة 551 من 2536

هؤلاء الذين يشاققون الرسول على نحو ما بينا، بعد أن تجلت لهم طريق الحق والإيمان، والذين يستنكفون عن الانضواء في حومة الإسلام والمسلمين فيرتضون لأنفسهم سبيلا غير سبيلهم- هؤلاء قد أعد الله لهم عذاب جهنم تصطلي بها أبدانهم ولحومهم - وقوله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) الفعل (ويتبع) معطوف على قوله: (يشاقق) واتباع غير سبيل المؤمنين يحتمل أحد معنيين:

أحدهما: المخالفة عن أمر الله في شرعه ودينه وذلك هو التنكب عن سبيل المؤمنين الذين يحيون على ما جاء به الكتاب الكريم والسنة المطهرة أو الذين يحكمون بما أنزل الله لتكون أوضاعهم وتصوّراتهم وأحوالهم ومعايشهم على هدى من الإسلام.

ثانيهما: الإجماع، وهو في اللغة يعني الاتفاق - وفي الاصطلاح ثمة أقوال في حده - فقد حده الغزالي بأنه اتفاق أمة محمد (ص) خاصة على أمر من الأمور الدينية.

وحده القرافي بأنه اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة في أمر من الأمور.

وحده الرازي بأنه اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد (ص) على أمر من الأمور - والمراد بالاتفاق: الاشتراك إما في الاعتقاد أو القول أو الفعل - وبأهل الحل والعقد: المجتهدون في الأحكام الشرعية.

ويمكن القول في تعريف الإجماع على نحو جامع مانع على أنه اتفاق كلمة العلماء المسلمين في زمن من الأزمان على مسألة من المسائل أو قضية من القضايا الشرعية المستنبطة في ضوء الكتاب والسنة - 158 والمعلوم أن إجماع أمة محمد (ص) لا يحتمل الخطأ لتحقق العصمة لهم لدى اتفاقهم جميعا وذلك تعظيم لهذه الأمة الرائدة التي نيط بها أن تبادر دائما لتأخذ الزمام فتقود البشرية كابرا بعد كابر إلى حيث الخير والأمن والسلام وإلى حيث التعاون والودّ والاستقرار (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) .

وقد أدرك الشافعي رضي الله عنه حقيقة الإجماع وفرضيته في هذه الآية وأنه (الإجماع) لحجيته يلتزم المسلمون بالعمل به فلا مساغ لأحد بعد ذلك أن يخالفه - ويعزز ذلك ما ورد من أحاديث في هذا الصدد كقوله عليه الصلاة والسلام:"لا تجتمع أمتي على الخطأ".

والآية تحمل استنكارا غليظا لمن يندّ عن خط المسلمين ويتخذ لنفسه سبيلا غير سبيلهم التي لا تحتمل ميلا أو اعوجاجا - ولا يتنكب عن هذه السبيل إلا ضال وجزاؤه أن الله سيوليه ما تولّى، أي يكله إلى ما ارتضاه لنفسه من منهج وسبيل، أو يتركه وما يعبد كما قيل - ثم مرده من بعد ذلك إلى (جهنم وساءت مصيرا) ساءت عاقبة ومردا ولبئس المثوى والملتحد والعياذ بالله - وجاء قوله: (مصيرا) منصوبا على التمييز.

قوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ذلك تأكيد من الله سبحانه على أنه لن يرضى عن المشركين ولن يتجاوز لهم عن إشراكهم وأنهم في الأذلين يوم القيامة حيث العذاب الأليم الخالد.

والشرك هو أعتى ضروب الخطيئات والمنكرات وأفدح ما يقارفه العبد من فوادح الذنوب، وهو لفداحته واشتداد غضب الله من أجله فإنه لا أمل في محوه برحمة الله أو غفرانه - ويفهم من هذا النص أن المشركين خالدون في النار وأنهم لا محيد لهم من عذاب الله الواصب.

لكن مغفرة الله تصيب كل المعاصي دون الشرك - فأيما ذنب مهما كان كبيرا فإنه يظل دون فظاعة الشرك وأنه يمكن تجاوزه إذا ما خلصت النية وأقلع المسيء وأناب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت