قوله: (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن) (شجرة) ، منصوب بالعطف على (جنات) - - والتقدير: فأنشأنا لكم به جنات وشجرة تخرج من طور سيناء - و (سيناء) ، بفتح السين بمنزلة حمراء - فلم يُصرف للتأنيث - وتنبت بالدهن - بفتح التاء، والباء للتعدية - وقيل: الباء زائدة؛ لأن الفعل متعد بالهمزة - والتقدير: تنبت الدهن - كقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أي لا تلقوا أيديكم 10 - وقيل: الباء للحال؛ أي تنبت ومعها الدهن وهو الزيت.
والمراد بالشجرة هنا: شجرة الزيتون - و (طور سيناء) ، أي طور سنين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام - قوله: (وصبغ للآكلين) الصبغ، معناه الأدم، ينتفع به الناس للأكل والادّهان - وفي هذا روى الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري قال: قال رسول الله (ص) :"كلوا الزيت وادّهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة".
قوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) (الأنعام) جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم؛ فإن فيها عبرة لمن يعتبر؛ أي فيها ما تعتبرون بحالها؛ إذ يخرج منها اللبن من بين الفرث والدم، وهو مستطاب طعمه وسائغ شرابه، إن ذلك مما ينبغي أن تستدلوا به على قدرة الله وعظيم صنعه وهو قوله: (نسقيكم مما في بطونها) .
قوله: (ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون) منافع الأنعام كثيرة، بالاستفادة من أصوافها وأوبارها وأشعارها التي تستعمل في صنع الألبسة والأغطية والفرش على اختلاف أصنافها وأشكالها بما يستر جلودكم وأبدانكم ويقيكم ضرر الحر والقرّ (ومنها تأكلون) سخرها الله لمنافع بني آدم ومن أعظم ما ينتفعون به من الأنعام أكلها، فضلا عن وجوه المنافع الكثيرة الأخرى.
قوله: (وعليها وعلى الفلك تحملون) فقد قرنها الله بالفلك؛ إذ كانت الإبل سفائن البر كما أن الفلك سفائن البحر - لقد كانت الإبل في سائر الأزمنة الفائتة من الدهر كله سبيل البشرية للمسير في الصحراء أو لقطع المسافاة البعيدة والنفاذ إلى بلاد أخرى - ولولا أن الله عز وجل ذلّل الإبل للحمل والركوب قطع القفار لبلوغ مختلف الأمصار لعزّ على الناس أن يسافروا أو يقضوا أغراضهم وحاجاتهم 11.