فهرس الكتاب

الصفحة 1809 من 2536

قوله: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} لما كتب الله لهم السلامة وأنجاهم من الموت المحدق، فخلصوا إلى البر آمنين سالمين بعون الله وفضله ورحمته بادروا الإشراك بالله ونسيان ما مَنّ الله به عليهم من التنجية والتسليم - وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم: لولا الله والرئيس أو الملك أو الملاح الفلاني لغرقنا أو أهلكنا - فهم بذلك يجعلون ما كتب الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين عباده - وإنما الله وحده هو المنجي وهو المنان الذي سبقت قدرته وإرادته كل أفعال المخاليق.

قوله: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا} اللام في الفعلين، لو كي؛ أي لقد نجّى الله هؤلاء المشركين إلى البر مما كانوا فيه من هول البحر واحتمال الغرق والهلاك لكي يجحدوا ما منَّ الله به عليهم في أنفسهم، ولكي يتمتعوا بنعمة الله - وقيل: اللام في الفعلين لام الأمر، وفيه معنى التهديد والوعيد لهؤلاء المشركين الذين جحدوا نعمة ربهم بعد أن سألوه النجاة والخلاص وأذعنوا له بالاستسلام؛ أي اكفروا بما خوّلناكم من نعمة النجاة وتمتعوا فإنكم صائرون إلى العذاب 46.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} يمُنُّ الله على قريش؛ إذ أحلَّهم الحرم الذي جعله الله للناس مثابة وأمنا وهو مكان مكين وملاذ أمين ومن دخله كان آمنا - فهم من حول الحرم آمنون سالمون ممن حولهم من الأعراب وغيرهم؛ فقد كان الناس يقتل بعضهم بعضا وينهب بعضهم بعضا لا يصدهم عن ذلك رادع من دين أو حمية أو وازع - وهو قوله: {وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} يتخطف، من الخطف وهو الأخذ بسرعة؛ فقد كان العرب في جاهليتهم خارج الحرم يتخاطفون؛ إذ يسبي بعضهم بعضا ويسطو كل فريق على الآخر، فكانوا يعمهم الخوف والفوضى لفرط جاهليتهم وسوء ما يعتقدون - لكن قريشا كانوا في مأمن من كل عدوان بفضل الله الذي جعل لهم حرم مكة مستقرا آمنا من كل شر وسوء - وهم مع هذه النعمة يشركون بالله ويجحدون نعمته وفضله عليهم باتخاذهم الشركاء معه والأنداد وهو قوله: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون} الاستفهام للإنكار؛ يعني: أيصدقون بالباطل وهو الشرك أو الأصنام أو إبليس أو غير ذلك من طواغيت الإنس والجن ليبادرها المحبة والطاعة والخضوع، وليجحدوا ما أنعم الله به عليهم من نعمة الإيمان والإسلام وما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى والحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت