فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 2536

قوله: (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) - ذلك بيان مريع ومؤثر عن فداحة الشرك الذي يبغضه الله أشد البغض، ويشدد على استبشاعه أبلغ تشديد فهو أعظم الكبائر وأفظع السقطات التي يرتكس فيها العبد ليكون في الأذلين ولينحدر بنفسه إلى أسفل سافلين - ولا يسقط في الشرك إلا من ظلم نفسه فضلّ ضلالا بعيدا - ولا جرم أن يؤول الشرك إلى الضلال البعيد وهو الذهاب بالنفس إلى سحيق المهاوي وإلى أعمق أعماق الدركات حيث العمه والتّيه.

قوله: (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) إن بمعنى ما وهي نافية - أي ما يعبد هؤلاء المشركون إلا أوثانا - وقد عبدوا الملائكة من ذلك وكانوا يعتبرونها بنات الله وكانوا يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ثم اتخذوا لهن صورا مادية محسّة تمثلت في الأصنام كاللات والعزّى ومناة.

وهذه الآية تشهير الجهلة الحمقى وتسفيه لأحلامهم التي تنطوي على التحجّر والسخف إذ سوّلت لهم عبادة الأحجار الصمّ فضلّت بذلك أبعد الضلال عن طريق الهداية والنور.

وهم كذلك لا يعبدون (إلا شيطانا مريدا) الشيطان من الفعل شطن أو شيطن أو تشيطن ومعناه البعد عن الحق والخير - وعلى هذا فالشيطان هو الكائن الجني أو الإنسي البعيد عن الحق والخير - وقيل هو العاتي المتمرد الذي يتمثل في كيانه الشر والشقاوة - والمريد صيغة مبالغة على وزن فعيل وهو من التمرد ومعناه العتوّ ومجاوزة الحد - وقيل هو العصيان والتجرّّد من الخير، 159 وهي معان متقاربة يجمعها معنى واحد مشترك وهو الاستنكاف عن الخير والجنوح نحو الشر مع خروج عن الطاعة في خبث - وجملة ذلك أن المشركين ضالّون في عبادتهم، وهم كذلك تعساء في تقديرهم ومآلهم وهم إنما يعبدون أحجاما موهومة جوامد من الحجارة القاسية الصلدة - والأصل في هذا الضلال كله هو الشيطان فهو الذي أوحى إليهم بزخرف من الوسواس والقول فسوّل لهم أن يجنحوا عن صراط الله المستقيم ليعبدوا من دونه آلهة مفتراه - فالشيطان بذلك معبود هؤلاء الفسّاق المخدوعين؛ لأنهم أطاعوه من دون الله واستسلموا لتوهيمه بعد أن نفث فيهم غرورا.

قوله تعالى: (لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا) .

هذه قصة الحوار المثير بين الإله الأوحد القهار وبين الكائن الخبيث العاتي الذي يتجسد في طبيعته المبنية على الشر والرذيلة والإغواء على نحو ليس له نظير في الكائنات جميعا - حوار تتكشف فيه حقيقة هذا الكائن عن طبيعة خبيثة لئيمة تستكبر على طاعة الله ثم تمضي في تمرّد عليه غريب وفي استنكاف يستوجب من الله اللعن وهو الإبعاد والطرد من رحمة الله في غضب وسخط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت