فهرس الكتاب

الصفحة 1458 من 2536

قوله: (فاتخذت من دونهم حجابا) أي استترت مريم من أهلها وتوارت عنهم (فأرسلنا إليه روحنا فتمثل لها بشرا سويا) أرسل الله إليك الملك جبريل عليه السلام على صورة إنسان سوي الخلقة وضيء الوجه، صبيح المنظر، لأنها لا تطيق رؤية جبريل في صورته الحقيقية الهائلة.

فقالت له: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} لما كانت مريم منفردة متنحية عن أهلها وبيتها وبينهم حجاب، وقد ظهر لها الملك في صورة آدمي، خافته وارتابت وخشيت منه على نفسها، ناشدته أن يجتنبها وأن لا يبغي منها السوء فاستعاذت بالرحمن منه إن كان ممن يتقي الله ويخشاه؛ أي إنني ألجأ إلى ربي واحتمي بجلاله العظيم، فإن كنت تخشاه فابتعد عني ولا تبغني بسوء.

وهذا هو المشروع في مثل هذه الحالة من الاعتداء على أعراض المسلمين أو أموالهم أو أنفسهم؛ فإنه ينبغي على المعتدى عليه مناشدة المعتدي باللطف واللين وتذكيره بقدرة رب العالمين عسى أن يكف عن عدوانه فيمسك أو ينتهي.

قوله: {قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا} أجابها جبريل في رفق ورحمة لتأمن على نفسها ويطمئن قلبها فأخبرها أنه مرسل من ربه ليهب لها بإذن الله غلاما، أو ليكون سببا بالنفخ في هبة هذا الغلام الزكي؛ أي الطاهر من الذنوب والذي تحف به كل ظواهر الخبر والبركة والحكمة.

قوله: {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} أجابته باستفهام متعجب: كيف يكون لي ابن وأنا غير ذات زوج ولست (بغيا) والبغي بمعنى الزانية؛ أي لست من ذوات الفجور والفاحشة، فكيف يتحصل لي هذا الغلام وأنا في هذه الصفة من التبتل واعتزال الرجال؟

قوله: (قال كذلك قال ربك هو علي هين) أجابها الملك بأن الأمر كما قلت وكما تصفين بأنه لم يمسسني بشر في نكاح ولا في فاحشة ولكن ربك قال لك: خلق هذا الغلام الذي وهبته لك هين علي؛ أن يسير لا يتعذر علي فعله.

قوله: (ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا) هذا تعليل رباني كريم يحمل الناس على القناعة والتصديق بأن الله قادر على كل شيء - وأن الله لا يمنعه مانع من فعل ما يشاء أو تقدير ما يريد (ورحمة منا) أي ولنجعل عيسى المسيح نبيا ورسولا للناس فيدعوهم إلى النور والهداية، ويخرجهم من وهدة الباطل وظلام الضلالة، والشرك إلى نور العدل والطهر والتوحيد (وكان أمرا مقضيا) أي كان ذلك مقدرا في علم الله، مسطورا في لوحه المحفوظ فلا مندوحة عن تحقيقه 13.

قوله: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} حملت مريم بعيسى المسيح من غير نكاح ولا مسيس فتنحّت بنفسها وبالحمل إلى مكان بعيد لتعتزل الناس فرارا من ظنهم ومساءلتهم وتعييرهم لها بهذا الحمل العجيب، أما مدة الحمل فكانت موضع خلاف - فقد قيل: كانت ساعة واحدة ثم وضعت أي كما حملته نبذته - وقيل: سبعة أشهر - وقيل غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت