فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 2536

قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} إذا قيل لهؤلاء الضالين السفهاء الذين افتروا على الله الكذب باشتراع البحائر والسوائب والوصائل والحوام: تعالوا إلى كتاب الله الحكيم وسنة نبيه الكريم ليتميز لكم الحق من الباطل وليتبين لكم كذب ما افتريتموه أجابوكم بالاستنكاف؛ إذ يقولون: يكفينا ما ألفينا عليه آباءنا في هذا الشأن فهم لنا أئمة وقادة ونحن لهم تبع ورضينا بما شرعوه من تحليل وتحريم ولا نرضى بغيره بديلًا.

قوله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام الإنكاري - والتقدير: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} وذلك توبيخ مرير يليق بهؤلاء السفهاء الذين تعطلت فيهم حاسة الوعي والإدراك فراحوا يقلدون آباءهم وأجدادهم الظالمون في الباطل والضلال! على أن الاقتداء لا يصح بغير العالم المهتدي - وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة والدليل والاستغراق في علوم الشريعة من لغة وفقه وأصول وغير ذلك من علوم الدين.

أما الاقتداء بغير العالمين بكتاب الله وسنة رسوله من القادة والساسة وأئمة الباطل فذلك لعمر الحق هو الضلال - بل إنه الإيذان بالسقوط في مهاوي الضياع والخسران الأكبر في الدنيا والآخرة - ولا يتبع الناس أئمة الباطل وساسة الكفر من الذين يحكمون المسلمين بغير منهج الإسلام، إلا كان ذلك سببًا حقيقيًّا يؤذن بالانتكاس في الردى والهزيمة، بما يدمغ الأمة كلها بوصمة الخزي والعار والذل، كالذي حاق بالمسلمين في كثير من الأزمان - وفي العصر الراهن على وجه الخصوص - فباتوا بذلك أشتاتًا ممزقين قد استحوذ عليهم أعداؤهم الكافرون من استعماريين وصليبيين ووثنيين وصهيونيين وملحدين، فعاثوا في ديارهم إفسادًا وتخريبًا وتبديدًا (227) .

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

أنفسكم، منصوب على الإغراء - أي احفظوا أنفسكم - كما تقول: عليك زيدًا - يضركم، رفع على الاستئناف - أو جزم على جواب الأمر، وإنما ضمت الراء إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل لا يضرركم (228) .

وقيل في سبب نزول هذه الآية: إن المؤمنين كان يحزنهم ويؤزهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم فقيل لهم: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} أي لا يضركم ضلال من ضل ولا فساد من فسد من الناس إذا كنتم أنتم مهتدين للحق - ولا يفهمن أحد أن في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فهذا الفهم خاطئ مبطل: فإن من الحقائق الثابتة المقررة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفروض الدينية التي أوجبها الإسلام - ولا يعذر من وجيبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من كان عاجزًا عن القيام بهذا الواجب الكبير - أو كان يظن أن كلامه غير ذي قيمة ولا تأثير البتة - أو كان يخشى على نفسه أن يحل به ضرر بالغ يسوغ له الترك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت