فهرس الكتاب
قوله: (ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) يخوف الله بذلك عباده من انتقامه وعذابه إذا هم خالفوه بموالاتهم أعداءه من المشركين الظالمين ومعاداتهم للمسلمين جريا وراء مكاسب مسفة رخيصة يمتن بها عليهم أعداء الله - إنه لا يلاطف الكافرين على اختلاف مللهم وعقائدهم فيوادهم ويناصرهم على حساب المسلمين إلا كل منافق خائن أو مشرك أثيم تمرد على شريعة الله فباء بالارتداد والزيغ عن ملة الإسلام وانتكس إلى حيث الخسران وسوء المصير.
قوله تعالى: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) ذلك تخويف من الله للمسلمين بما يزجرهم عن موالاة الكافرين الظالمين، وعن إضمار المودة لهم على حساب إخوانهم المسلمين، إلا أن يكون ذلك على سبيل التقية يوم يحيق بالمسلمين الضعف فيخشون على أنفسهم من الاصطلام أو التعذيب بما لا يطاق.
على أن الأشد من ذلك تأثيما وضلالا وعدوانا على الله ما يقارفه المنافقون الخائنون أو المرتكسون الأشرار من بين صفوف المسلمين وهم يوادون أعداء الله ليطلعوهم على عورات المسلمين وأحوالهم ودخائلهم من غير حاجة إلى ذلك ولا تقية، وهم يظنون أنهم في معزل عن أنظار الناس فلا يدري بهم أحد - وما علم هؤلاء المنافقون الخونة أن الله يعلم سرهم وجهرهم وأنه مطلع على أسرارهم وأغوارهم وما يستكن في صدورهم من خلجات وأستار، بل إن الله جل شأنه يستوي أمام علمه السر والعلن - فما تخفيه الصدور أو تظهره وتجهر به فهو عنده سيان، بل إن الله جلت قدرته عليم بكل شيء، بكل ما في هذه الكلمة من أبعاد العلم، إن علم الله محيط بالكون كله - وهو جل وعلا (على كل شيء قدير) وذلك غاية في التركيز على دوام الخوف من الله، الله الذي ينتقم من الأشرار المجرمين الذين يخادعون المؤمنين ويطعنونهم من الخلف طعنا.
قوله: (يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا وما علمت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) ذلك تحذير من الله بالغ لكي يخافه المسلمون فيتجنبوا مناهيه، وينأوا بأنفسهم عن إضمار المودة للكافرين على حساب المسلمين - يحذرهم الله من الخسران والسقوط في الأذلين يوم القيامة - وإذ ذاك يجد الإنسان ما قدمت يداه من خير ومن شر بعد أن يطلعه الله على كتاب أعماله بين يديه منشورا لا جرم أن الموقف إذ ذاك رهيب ومرعب، وأن ساعة الحساب مريعة ومذهلة تتزلزل منها القلوب والأبدان، وتضطرب لهولها الأعصاب والمشاعر - موقف عسير ومذل وبالغ الترعيب يأخذ بالقلوب أخذا لتظل واجفة مذعورة.
وفي هذه الساعة المخوفة من الإياس المطبق تتشبث النفس المشدوهة المذعورة بكل ما تظنه منجاة لها من الخسران والثبور - فإذا أيقنت أن لا منجاة حينئذ ولا مجير غشيتها الأماني الواهمة الخادعة أن لو كان بينها وبين هذا المصير الخاسر أمدا بعيدا من الزمان أو المكان - يعبر عن ذلك أكمل تعبير قوله تعالى: (تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) .