فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 2536

قوله: (ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء) يعني من يوالي الكافرين في دينهم وعقيدتهم عن رضى وطواعية ليظهرهم بعد ذلك على عورات المسلمين وأسرارهم إلى غير ذلك من وجوه الموالاة للكافرين وموادتهم (فليس من الله في شيء) أي قد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن ملة الإسلام ودخوله بالكفر.

قوله: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) تقاة بمعنى تقيّة بفتح التاء الأولى - يقال: أتقي تقية وتقاة - والتوقية يعني الكلاءة والحفظ، واتقيت الشيء وتقيته أتقيه تقيً وتقية وتقاء - ووقاه الله وقاية أي حفظه - والاسم التقوى 67.

والمراد نهي المؤمنين عن موالاة الكافرين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين - وبعبارة أخرى فإنه ليس لهم أن يلاطفوهم أو يوالوهم إلا أن يكونوا في سلطانهم فيخافوهم على أنفسهم فيظهروا لهم الولاية بألسنتهم، على أن يضمروا لهم العداوة وأن لا يشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا يعينوهم على مسلم 68.

قال ابن كثير في تأويل قوله تعالى: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال"إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم"69 ونكشر بفتح النون من الكشر بفتح الكاف وهو الضحك - نقول: كشر عن أسنانه يكشر كشرا، في الضحك وغيره 70.

وقد ذكر الرازي جملة أحكام للتقية نبينها هنا وهي:

أولا: أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرّض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.

ثانيا: لو أنه أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل - ودليله أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم - نعم - نعم - فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد رسول قريش، فتركه ودعاة الآخر فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم - قال: أفتشهد أني رسول الله؟ فقال: إني أصم ثلاثا، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال:"أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه".

ثالثا: أن التقية إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين - فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائر البتة.

رابعا: ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس.

خامسا: التقية جائزة لصون النفس - وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز؛ لقوله صلى الله عليه و سلم:"حرمة المسلم كحرمة دمه"ولقوله صلى الله عليه و سلم:"من قتل دون ماله فهو شهيد"71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت