قوله: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} أي ما يعبده هؤلاء المشركون الضالون من الأصنام والأنداد والآلهة الموهومة والمصطنعة (لا يخلقون شيئا) ليسوا غير مخاليق تترسخ في طبائعهم وأعماقهم ظواهر الضعف والقصور والمحدودية، فأنى لهم بذلك أن يخلقوا شيئا من الأشياء ولو كان في حجم النملة أو الذبابة (وهم يخلقون) إنهم هم أنفسهم المخلوقون - ومن كان مخلوقا لا جرم أنه لا يخلُق وليت شعري هل يعقل أن يكون المخلوق خالقا؟! أي تناقض أعظم من ذلك، بل أية جهالة وسفاهة أفظع من هذا الإسفاف في تفكير المشركين وتصورهم؟!.
قوله: (أموات غير أحياء) (أموات) خبر ثان للمبتدأ (وهم) وخبره الأول (يخلقون) 23 - والمعنى: أن الأصنام التي يعبدها الجاهلون السفهاء ليست غير أموات جامدة لا تعي ولا تتحرك (غير أحياء) لا روح فيها ولا حياة - ويجوز أن يكون المراد من المخبر عنه ما يتناول جميع المعبودات ممن يعقل أو لا يعقل - فيكون المراد بقوله: (أموات) عموم المجاز ليشمل ما كان له حياة ثم مات كعزير، أو سيموت فيما بعد كالمسيح عيسى.
وكذلك الملائكة عليهم الصلاة والسلام - وكذلك ما ليس من شأنه الحياة أصلا كالأصنام الجامدة الميتة التي لا تريم.
قوله: (وما يشعرون أيان يبعثون) (أيان) ، استفهام عن الزمان بمعنى متى - و (أيان) مبني لتضمنه معنى الحرف وهو همزة الاستفهام 24 - والمعنى: أن هذه المعبودات المصطنعة أموات لا حياة فيها ولا حركة، فأنى لهم العلم بوقت البعث - ومن كان هذا شأنه في الجهل والقصور كيف يليق بذي عقل من البشر أن يتخذ منه إلها؟! 25.
قوله تعالى: {إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) } بعد أن بين الله تبينا قاطعا أن تصور المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى، لهو بالغ الضلالة والفساد والسفه، شرع في التذكير بأن الإلهية إنما تكون لله وحده وليست لأحد سواه؛ فهو الإله الخالق المعبود الذي تتجلى فيه كل صفات الإله القادر الحكيم - فقال سبحانه: (إلهكم إله واحد) .
قوله: (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) هذا وصف للضالين الخاسرين الذين يكذبون بيوم الدين ويجحدون حقيقة القيامة واليوم الموعود؛ فهم صنف من البشر التائه الزائغ الذي لا يقبل الوعظ ولا يؤثر فيهم التذكير أو النصح لفرط غيّهم وتماديهم وكزازة طبائعهم؛ إنهم أناس ضالون مضلون قد ارتابت قلوبهم، وفسدت فطرتهم؛ فكانوا أولي قلوب جاحدة (منكرة) أي تستنكر كل يقين مما هو ظاهر وجلي ومستبين بأن الله خالق كل شيء، وله ملكوت كل شيء؛ فيجب إفراده وحده بالإلهية والربوبية والحاكمية كيلا يكون من إله أو رب أو مشرع سواه.
قوله: (وهم مستكبرون) هذا وصف للجاحدين الظالمين الذين أبوا إلا العتو والتكذيب، جريا وراء أهوائهم الزائغة الفاسدة (وهم مستكبرون) أي متكبرون عن الإقرار لله بالوحدانية وإفراده وحده بالإلهية والربوبية والحاكمية؛ بل إنهم طوّعت لهم أنفسهم المعوجة التي تستمرئ الباطل أن يعبدوا مع الله آلهة أخرى، أو يتخذوا من دونه أربابا شتى ليصطنعوا لهم من التشريع غير ما أنزله الله للعباد.