فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 2536

حتى إذا استبان لإبراهيم عُقم الاحتجاج المعتبر، وأن هذا الملك الجاحد الطاغية لا يعرف المنطق والبرهان إلى ذهنه وبصيرته سبيلا، بادر إلى مساءلته بما يتحداه ويحرجه إحراجا لا يجد معه مجالا للمواربة أو طول الجدل، فقال الله حاكيا عن إبراهيم في هذا الصدد: (قال لإبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب) ذلك تحدّ صارخ مؤنس لنمروذ أن يأتي بالشمس من المغرب حال طلوعها خلافا لتقدير الله سبحانه؛ إذ يأتي بها من المشرق - وهنا ينكشف التمحل والاصطناع، ويتبدد الزيف والمراوغة، ويستبين الضعف الذي يركب طبيعة الإنسان (فبهت الذي كفر) وبهت كلمة جامعة، وهي بحث تعبّر عن المقصود أكمل تعبير - وهي تتناول كل معاني الدهشة والحيرة والإحراج والانهزام والتقهقر والارتباك.

قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين) لا يجعل الله لمثل هؤلاء الكفرة المشركين حجة و برهانا يوثق مزاعمهم، بل إن احتجاجهم وما يصطنعونه من برهان لهو دائما مكذوب وداحض.

259 - (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) (أو) أداة عطف، وبذلك فإن الآية معطوفة على الآية قبلها - والتقدير: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه - - - أو كالذي مر على قرية - -.) .

والقرية كمن قرى يقري أي جمع يجمع - قريت الماء جمعته، وسمّيت القرية بذلك لاجتماع الناس فيها 319 - ولم تذكر الآية ماهية القرية المقصودة ولا الذي مر عليها - مع أن أكثر العلماء يقولون إن القرية هي بيت المقدس، والذي مر عليها هو عُزير وهو من علماء بني إسرائيل.

لقد مر العزير - أو غيره- بمدينة بيت القدس فألفاها (خاوية على عروشها) وخاوية من خواء وهو الخول - نقول خوت الدار فهي خاوية إذا خلت من السكان وخواؤها على عروشها أن تكون سقوفها وجدرانها ساقطة قد أتى عليها الهدم والتدمير - ولدى رؤية عزير ذلك الخواء والخراب وقف مدهوشا مذهولا وقال: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها) أي كيف لهذه القرية المتهدمة المندثرة ذات الأشلاء والركام والدثور أن تنبعث فيها الحياة من جديد؟ وهو في مقالته هذه ليس مرتابا في حقيقة البعث والنشور وإحياء الموتى - ذلك أن الذي مر على القرية مؤمن بمثل هذه القضايا الأساسية، لكنه قال قولته هذه على سبيل التعجب والدهش لقدرة الله البالغة؛ إذ يبعث الموتى لينقلبوا أحياء بعد تمزق وتناثر وشتات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت