قوله: {والذين كذبوا بئايتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون} يتوعد الله الذين كذبوا آياته وهي القرآن أو ما أنزل من البينات والدلائل والمعجزات - بالعذاب الذي سينزل بهم في الدنيا والآخرة، بسبب فسقهم وهو خروجهم من ربقة الإيمان والطاعة - أو بسبب خروجهم من حظيرة العقيدة وتمردهم على الله في شرعه ودينه 54.
قوله تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظلمين (52) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) وكذلك نفصل الأيت ولتستبين سبيل المجرمين} .
الخزائن جمع خزينة أو خزانة - وهي في الأصل ما يحفظ فيه من الأشياء النفائس - والمراد بالخزائن هنا رزق الله ومقدوراته - وذلك جواب لاقتراحات المشركين أن يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من ربه إنزال الآيات أو أن يقلب الجبال ذهبا أو أن يوسع عليهم منافع الدنيا وخيراتها ويفتح عليهم أبواب سعادتها - فخاطب الله نبيه أن يجيبهم {قل لا أقول لكم عندي خزئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} أي لا أدعي أن خزائن الله مفوضة إلي فأتصرف فيها كيفما أشاء حتى تقترحوا علي فعل الخوارق من الأعمال فمثل ذلك ليس من شأني بل هو بيد الله القادر القاهر - وكذلك قال لهم: {ولا أعلم الغيب} وذلك أن القوم كانوا يظنون أن الذي يكون رسولا سيكون مطلعا على الغيب ومكتشفا لخوافي الأمور مما هو خفي مستور - فكانوا يقولون له: إن كنت رسولا من عند الله فأخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ودفع تلك المضار - فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم الغيب بل إن الغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تسألوني ما ليس من شأني وما لا أملك.
وكذلك أمره ربه أن يقول لهم: {ولا أقول لكم إني ملك} ، لأنه لا ينبغي للملك أن يظهر بصورته لأنظار البشر في هذه الدنيا - وقد كانوا يتوهمون أن النبي ما ينبغي له أن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق - ويفعل ما يفعله البشر، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بملك ولكنه بشر بطبعه وصورته وأصله.
قوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} يعني ما أتبع فيما أقوله لكم وأدعوكم إليه إلا ما أوحى إلي من ربي - فأنا لما جاءني من الله وحيا فأمضي لوحيه وأئتمر بأمره وأنزجر عن نواهيه - وتعرض في هذا الصدد مسألة وهي اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم - فقد اختلف العلماء في جواز اجتهاده عليه الصلاة والسلام وثمة مذاهب ثلاثة في هذه المسألة.
المذهب الأول: جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم - وهو قول الجمهور - إذ ذهبوا إلى جواز الاجتهاد منه عليه السلام فيما فيه نص، واحتجوا لذلك بعدة أدلة منها: