فهرس الكتاب

الصفحة 1335 من 2536

قوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) } ، يمنّ الله على عباده أن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا؛ فهم مخلوقون من غير إدراك ولا وعي ولا حس، فما من مولود يأتي إلى هذه الدنيا، إلا وهو إذ يجاء به لا يعلم شيئا، وذلك لبساطة خلقته وبالغ ضعفه؛ إذ ذاك - لكن الله قد تفضل عليه، فرزقه رويدا رويدا حواسه الأساسية، وهي السمع والأبصار والأفئدة؛ ليصير بذلك ذا وعي وفهم وإدراك فقال: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) ، أفرد السمع على أنه في الأرض مصدر؛ فقد جعل الله هذه الأشياء آلات ووسائل أساسية؛ ليتحصل بها الإنسان العلم والمعرفة والإدراك - والمعنى: أن الله جعل لكم السمع لتسمعوا به ما يجري من مسموعات وأحداث - ومن أعظم ما تسمعون لهي آيات الكتاب الحكيم وما حوته من عجائب المعاني والمشاهد والمواعظ والأخبار - وكذلك جعل الأبصار لتبصروا بها عجائب ما خلق الله في هذا الكون مما حوته الأرض والسماء - وكذلك جعل الله الأفئدة: وهي العقول، أداة التدبر والتفكر، ووسيلة الفهم والاستبصار؛ لتستدلوا بذلك كله على وحدانية الله، وأنه الخالق الموجد البديع - (لعلكم تشكرون) ، أي: خلق الله فيكم هذه المركبات طورا عقب طور؛ لتستيقنوا مبلغ فضل الله عليكم فتشكروه.

قوله: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله) ، الاستفهام للتنبيه - وذلك تنبيه من الله للناس والغافلين إلى ظاهرة الطيران في جو السماء، وهو: الهواء المتباعد من الأرض في سمت 90 العلو - وظاهرة الطيران تثير الانتباه، وتوجب إطالة النظر حقا - وهي واحدة من الظواهر الكاثرة المبثوثة في هذه الطبيعة، مما يدل على بديع صنع الخالق القادر - وهذا هو قوله سبحانه: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء) ، أفلا يتدبر الناس ويتفكرون في الطير على اختلاف أنواعهن وأجناسهن، وعجيب أشكالهن وألوانهن، وهن يجبن عنان السماء طائرات مرفرفات محلقات - لا جرم أن الطير برفيفهن السابح في أجواز السماء (مسخرات) ، أي: مذللات للطيران بما أوتين من أسباب خلقية وقدرات ذاتية، كل ذلك يزجي بالدليل الساطع على عظمة الصانع.

قوله: (ما يمسكهن إلا الله) ، أي: جعل الله فيهن خاصية الطيران؛ فهن في قبضهن وبسطهن أجنحتهن: سابحات في الهواء، لا يمنعهن من السقوط إلا الله.

قال الرازي في ذلك: المعنى: أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاّقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى.

قوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) ، فيما تقدم من ظاهرة الطيران، وما بث الله في الطير من خصوصية عجيبة ليطير في جو السماء سابحا، لهو دليل ظاهر أبلج على أن الله حق - وذلك (لقوم يؤمنون) ، فقد خص المؤمنين بهذه الدلائل؛ لأنهم هم المنتفعون بها - وذلك بما أوتوه من استقامة الطبع والفطرة وسلامة النفس من أمراض الشك والتردد والاغترار والاستكبار 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت