فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 2536

قوله تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} ذلك توبيخ من الله للنصارى عقب التعجيب من أحوالهم وفعالهم والمراد بالذي لا يملك الضر والنفع هو عيسى عليه الصلاة والسلام - ومعنى الآية: أتعبدون عيسى وهو كأحدكم لا يملك أن يضركم بمثل ما يضركم الله من البلايا والمصائب والنوائب في الأنفس والأموال - وهو كذلك لا يملك أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به الله من السعة في الرزق والصحة في البدن ونحو ذلك مما ليس في مقدور عيسى أن يفعله، بل الله وحده قادر على كل شيء - وفي ذلك دليل قاطع ومكشوف على أن أمر عيسى مناف للربوبية - إذ لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا - ومن صفات الرب الخالق أنه قادر على فعل كل شيء - وما من شيء إلا هو ضمن إرادته ومقدوره.

قوله: {والله هو السميع العليم} الجملة حالية متعلقة بقوله: {أتعبدون} وهي تتضمن توبيخا فيه وعيد للنصارى لتفريطهم في حق الله واتخاذهم عيسى وأمه إلهين من دونه - وتقدير المعنى: كيف تعبدون غير الله وتشركون معه من لا يقدر على شيء وأنتم تعلمون أن الله وحده مختص بالإحاطة بكل معلوم ومسموع - بل إن الله وحده يسمع ويعلم كل ما يدب أو يجري في العالمين.

قوله: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} يخاطب الله أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى قائلا: {لا تغلوا في دينكم غير الحق} والغلو هو الخروج عن الحد - غالى في أمره مغالاة، أي بالغ - غلا في الدين: شدد حتى جاوز الحد 160 وذلك أن الحق إنما يكون بين طرفي نقيضين وهما الإفراط والتفريط - وذلك هو دين الله المبرأ من التزييف والتحريف - وهو وسط بين الغلو والتقصير.

قوله: {غير الحق} منصوب على أنه صفة للمصدر - أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق، وكلا الفريقين مغال في حق المسيح عليه السلام - فقد غالى اليهود في حقه مغالاة بشعة تهبط بهم إلى الدركات السحيقة من الفجور والظلم والخسة، إذ نسبوه إلى الزنا - وحاشا لابن مريم النبي الزكي الرفاف - وحاشا لأمه العذراء البتول مثابة الصون والطهر والعفاف.

وفي المقابل غالت النصارى في حق عيسى، إذ ادعوا فيه الإلهية أو قالوا إنه إله - سبحانك اللهم هذا ظلم عظيم! فكلا الفريقين مغال مجانف مجانب للحق والصواب.

قوله: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} الأهواء جمع ومفرده هوى - سمي بذلك، لأنه يهوي بصاحبه في النار - فالهوى الباطل الموافق للنفس أو الذي تدعو إليه الشهوة دون الحجة - وقيل: ما ذكر لفظ الهوى في القرآن إلا في موضع الذم والشر - فلا يقال: فلان يهوى الخير بل يقال: يريد الخير - وقال ابن عباس: كل هوى ضلالة - والمراد في الآية: لا تتبعوا الضلال الذين هم سلفكم من الناس الذين ضلوا قديما {وأضلوا كثيرا} أي أضلوا خلقا كثيرا من الناس ممن تبعهم ووافقهم {وضلوا عن سواء السبيل} أي خرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال - وسواء السبيل يعني السبيل المعتدل السوي وهو الإسلام - ذلك أنهم حسدوا الرسول حسدا بالغا حسدا شغل قلوبهم وأعصابهم وكل اهتمامهم - فكذبوه وآذوه وتمالئوا عليه لإسكاته أو إخراجه أو قتله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت