فهرس الكتاب

الصفحة 1832 من 2536

قوله: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا} الهاء في قوله: {فَرَأَوْهُ} تعود إلى الزرع وقيل: إلى السحاب 42 - و {مُصْفَرًّا} من الاصفرار وهو اليبس بعد الاخضرار؛ أي لو أرسلنا ريحا فيها ضررا -كأن تكون حارة أو باردة- على زرعهم الذي زرعوه ونما واخضرّ واستوى على سوقه ثم اصفر وفسد بفعل الريح الضارة {لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} لسوف يظلون من بعد فرحهم وإعجازهم يجحدون نعمة الله - وذلكم هو الإنسان؛ فإنه بطبعه عجول؛ فهو يبتهج بالنعمة ويهش لها غاية الهشاشة ويغشاه بسببها الفرح والحبور، حتى إذا نزعها الله منه لحكمة من الحكم بادر إلى القنوط وكفران النعمة، إلا أن يؤتيه الله قوة في العزم ويخوله الصبر والثبات 43.

قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} .

يصف الله حال الكافرين المعاندين بالموتى الذين لا يسمعون ولا يعقلون؛ لأنهم هامدون خامدون، لا حياة فيهم ولا حراك - وكذلك الكافرين الذين ختم الله على قلوبهم فهم أولو طبائع كزَّة لا تلين لموعظة ولا تستجيب لحجة أو برهان - أولئك هم الجاحدون المعاندون الذين لا تسددهم النصيحة ولا يعطفُ قلوبهم الوعظ الكريم الحسن - وهم كذلك يشبهون الصُّمَ الذين لا يسمعون النداء - والأصم إذا ولى مدبرا لا يرده أيُّما نداء رفيع ولا هتاف صارخ؛ لأنه سادر في صممه لا يسمع - وكذلك الجاحد المعاند ذو الفطرة البور والنفس الفاسدة الكنود؛ فإنه لا يتعظ بالنصح وحسن الحديث ولا يزدجر بالتحذير ولا التنذير.

قوله: {وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} أي لا تستطيع أن تسدد إلى صواب المحجة من أعماه الله فضل عن سبيله وسلك سبيل الباطل - وهذه حقيقة الكافرين الذين يجحدون الحق ويحادّون الله ورسوله ويكذبون بمنهج الإسلام ويتصدون له بالمكائد والدسائس والمؤامرات والتشكيك أولئك المجرمون بور قد عموا عن رؤية الحق رؤية استبصار وتدبر، وصَموا عنه صمم الشاردين المستكبرين الموغلين في اللجاجة والعناد - أولئك جميعا لا يستطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهديهم إلى الحق، فيهتدوا، أو يرشدهم إلى محجة الإسلام فيرشدوا - وكذلك لا يستطيع الداعون إلى منهج الإسلام في كل زمان ومكان أن يحملوا المكابرين والمعاندين من الجاحدين على القناعة والتصديق؛ لأن هؤلاء أولوا أذهان وإرادات وهمم مسلوبة، فما يجنحون بعد ذلك إلا للهوى والفسق والباطل.

وعلى هذا، فإنه حقيق بالمؤمنين الداعين إلى منهج الإسلام في كل زمان أن يجتهدوا في دعوة الطيبين من الناس، أولي الفطر السوية والطبائع السليمة؛ أولئك المبرأون من الخلل والعيوب النفسية والفطرية، لا جرم أن هؤلاء المبرأين من عيوب النفس وأمراضها مهيأون وحدهم لاستقبال العقيدة الإسلامية، وتدبر التعاليم والمعاني التي جاء بها هذا الدين الحنيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت