ويستدل بهذه الآية على أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر، لأن مدة الرضاع الكامل سنتان لقوله سبحانه: {يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أ ن يتم الرضاعة} قال ابن عباس في ذلك، إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا - وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا - وروي أن عثمان قد أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فأراد أن يقضي عليها بالحد فقال له علي (رضي الله عنه) : ليس ذلك عليها - قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} وقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} فالرضاع أربعة وعشرون شهرا، والحمل ستة أشهر - فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها.
قوله: {حتى إذا بلغ أشده} الأشد، واحد جاء على بناء الجمع - وقيل: هو جمع لا واحد له من لفظه مثل أبابيل ومذاكير 9 - والأشد، هو تناهي قوة المرء واختلفوا في مدة الأشد - فقد قيل: ثلاث وثلاثون سنة - وقيل: الحلم - وقيل: ثماني عشرة سنة {وبلغ أربعين سنة} وذلك تناهي عقل الإنسان واكتمال فهمه وحلمه وتدبيره.
روى الحافظ أبو يعلى بإسناده عن عثمان (رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه - وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبّت الله تعالى حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفّعه الله تعالى في أهل بيته وكتب في السماء أسير الله في أرضه".
قوله تعالى: {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} إذا بلغ المرء سن الأربعين وفيها يكتمل الفهم والتدبير والإرادة - دعا ربه أن ألهمني شكر نعمتك علي وعلى والدي بالهداية والتوفيق وغير ذلك من وجوه النعم.
قوله: {وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي} يعني وألهمني أن أعمل الصالحات التي ترضاها وأصلح لي أموري في ذريتي بأن تجعلهم صالحين مهديين عاملين بشرعك، مبتغين مرضاتك.
قوله: {إني تبت إليك وإني من المسلمين} أي تبت إليك من ذنوبي التي سبقت مني في سالف أيامي وإني من المستسلمين لأمرك الخاضعين لك بالطاعة والإذعان.
قوله: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة} الإشارة عائدة إلى الإنسان الذي سبقت صفته، فالله جل وعلا يتقبل عنهم أحين ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم يعني يتقبل الله منهم الحسنات وما عملوه من الصالحات والطاعات، ويصفح عن سيئات أعمالهم بمنه وفضله {في أصحاب الجنة} أي مع أصحاب الجنة - أو نفعل بهم ذلك مثل فعلنا بأهل الجنة.
قوله: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} {وعد} منصوب على المصدر، مؤكد لما قبله، أي وعدهم الله وعد الحق أو الصدق {الذي كانوا يوعدون} أي الذي كانوا يوعدونه وهم في الدنيا 10.