فهرس الكتاب
بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات فمدنية - وقد تضمنت السورة صورا شتى من المعاني والحجج والمشاهد التي تثير النفس لتحملها على الانفعال وبالغ التأثر - والتي تستنفر العقل للخروج من إطار الواقع الضيق إلى آفاق الملكوت الرحب.
وفي السورة تنديد بالغ ومستفيض بالشرك والمشركين الذين أشربت نفوسهم حب الأصنام فانحنوا أمامها تقديسا وتعظيما، وهم في ذلك لا يستندون إلى ذرة من تفكير - إلا تفكير السادرين في الضلالة والسفاهة وهوان العقول.
والله جل جلاله يتحدى العرب أولي البلاغة والفصاحة واللسن أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سورة القرآن الحكيم - لا جرم أن ذلك برهان قاطع أبلج على كون هذا الكتاب معجز وأنه منزل من عند الله.
والحديث من الساعة بأهوالها وويلاتها وفظائعها يحتل في هذه السورة مساحة غير قليلة؛ وذلك هو شأن القرآن من أوله إلى آخره في بالغ تركيزه على هذه اليقينية الكونية الكبرى، ألا وهي خبر القيامة ودعوة الناس للإيمان باليوم الآخر.
وتتضمن السورة قصة الطاغية الأثيم فرعون الذي طغى وعتا وتجبر فأهلكه الله وجنوده في البحر، وأنجى الله بني إسرائيل بقيادة نبي الله وكليمه موسى عليه السلام - إلى غير ذلك من الأخبار والمعاني والقصص والأمثال.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله تعالى: {الر تلك آيات الكتاب الحكيم 1 أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} .
أما قوله: {الر} ففي تأويله عدة أقوال، لعل أجدرها بالاعتبار أنها أسماء للأحرف المعلومة من حروف التهجي أتى بها هنا على سبيل التحدي، وبذلك يكون اسم الإشارة {تلك} عائدا إليها، فيكون تقدير الكلام: هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته أو الإتيان بشيء من مثله إنما تتألف كلماته من جنس هذه الحروف.
قوله: {آيات الكتاب الحكيم} {الكتاب} ، يراد به جميع القرآن باعتبار تحققه في اللوح المحفوظ، أو باعتبار نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وإما جميع ما نزل من القرآن حينئذ - و {الحكيم} ، أي ذو الحكمة؛ سمي بذلك لاشتماله على الحكمة - و {الحكيم} صفة للكتاب.
قوله: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} الهمزة للاستفهام الإنكاري - والمصدر من {أن أوحينا} اسم كان - وخبرها {عجبا} 1 والمراد بالناس: الكافرون من العرب؛ فقد ذكر عن ابن عباس قوله في ذلك: لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد؛ فأنزل الله الآية.
وقوله: {إلى رجل منهم} أي بشر من جنسهم ومن مشاهيرهم يعرفونه حق المعرفة في صدقه وشرفه وعظيم خلقه - والمعنى: أن هؤلاء الكافرين الضالين جعلوا من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أعجوبة يتعجبون منها ويجعلونه لهم موضع استنكار واستسخار - لا جرم أنهم هم موضع الزراية والسفاهة - فهل في بعث رجل كريم من جنسهم ومشاهيرهم لإرشادهم وهدايتهم ما يثير مثل هذا الإنكار والتعجيب لولا أنهم هم الجاهلون والضالون والحمقى؟!