قوله: {فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمان صوما فلن اكلم اليوم إنسيا} إما، أصلها إن ما - فضمت إن الشرطية إلى ما وأدغمت فيها - والمعنى: إن رأيت أحدا من الناس يكلمك أو يسائلك عن أمرك وأمر ولادتك فأخبرته أنك نذرت لله صوما، أي صمتا أو إمساكا عن الكلام فلن تكلمي أحدا من الناس - وقد أمرت أن تقول ذلك بالألفاظ ثم بعد ذلك تصمت؛ أي سوّغ لها هذا القدر بالنطق - وقيل: أمرت أن تقول ذلك بالإشارة لا بالكلام 18.
قوله تعالى: {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) } استسلمت مريم لقضاء الله وركنت إلى جنابه بعد ما خولها من نعمة الأمان والطعام والشراب والإمساك عن الكلام، ثم أخذت ولدها - وأتت به قومها تحمله من المكان القصي، فقالوا لها متعجبين مستنكرين، وكانوا أهل بيت نبوة وشرف: (يا مريم لقد جئت شيئا فريا) جئت أمرا مختلفا عظيما عجيبا.
قوله: (يا أخت هارون) يعني يا من كنا نظنها شبيهة هارون في العبادة - كما يقال للتميمي يا أخا تميم - وللعربي يا أخا العرب؛ أي أتأتين بهذا الافتراء والفحش وقد كنت في نظرنا من الصلحاء أمثال هارون - وقيل: كان لها أخ من أبيها اسمه هارون - قوله: (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) أي ما كان أبوك عمران يأتي الفواحش، وما كانت أمك زانية، فكيف بك تفعلين الفاحشة وأنت من بيت صبغته الصلاح والفضيلة؟
قوله: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} ظلت مريم ملتزمة بالوفاء بصيامها عن الكلام، فأشارت إلى ولدها عيسى أن يكلمهم فغضبوا واستنكروا ذلك منها ظانين أنها تسخر منهم وتزدريهم، فقالوا لها متهكمين مستشاطين (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) (كان) بمعنى حدث أو وقع فيكون (صبيا) منصوبا على الحال.
وقيل: بمعنى صار فيكون (صبيا) منصوبا على أنه خبر صار، ولا يجوز أن تكون (كان) هنا الناقصة؛ لأنه ليس من اختصاص لعيسى في ذلك؛ فإنه ما من أحد إلا كان صبيا في المهد يوما من الأيام - وإنما العجب ممن يتكلم وهو في المهد صبي 19 - والمعنى: كيف نكلم من هو في مهده في حال صباه وهو لا يتكلم؟
فأجابهم عيسى وهو في مهده ناطقا بالحكمة والكلام الحافل الكريم: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} أول ما نطق به عيسى في المهد الاعتراف بربوبية الله والإقرار بعبوديته له سبحانه؛ فقد نزّه الله بذلك عن الشرك والولد، وأخبر أن الله آتاه الكتاب وهو الإنجيل، وأنه أوتي النبوة، فهو بذلك نبي من المهد، ومعجزته كلامه - وقيل: سبق في علم الله بعثه نبيا.