قوله: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : لكن استدراك بين شيئين نقيضين أو ضدين وهما المؤمنون والكافرون - وذلك إخبار من الله عن أهل السعادة والنجاة في الآخرة؛ إذ أعدّ الله لهم في الجنة منازلا وقصورا شامخات، طباقا فوق طباق، محكمات مزخرفات - وفي ذلك روى الإمام أحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قلنا: يا رسول الله، حدّثْنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال:"لبنةَ ذهب ولبنة فضة، وملاطها المْسْك الأزفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران، مَن يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلدُ ولا يموت ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه - ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تُحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماوات ويقول الربًُّ تبارك وتعالى:"وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين"."
قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : تنساب الأنهار جارية سائحة من تحت المنازل في الجنة وبين خلالها.
قوله: {وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} : {وَعْدَ} مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله يعني هذا الذي ذكرناه وعد وعده الله عباده المؤمنين - وهو سبحانه {لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} .
21 - (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ)
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} :
ذلك خطاب من الله عظيم يستوقف المسامع وينبِّه الأذهان للأحداث الكونية التي تدل في جريانها المقدور على سرعة فناء الدنيا واضمحلالها - وكثيرا ما يضرب الله لذلك مثلا من الماء النازل من السماء إلى الأرض فيخرج به النبات حتى إذا نما واخضرّ وأينع صار بعد ذلك إلى لذبول والجفاف واليبس والتفتُّت - وكذلك الإنسان يولد صغيرا لا يعي ولا يعقل ثم يمرّ في مراحل من التطور بدءا بالطفولة فاليفاع فالشباب فالشيخوخة ولهرم الذي يُفضي لا محالة إلى الموت والبلى - وهو قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} يعني أنزل بقدرته ومشيئته المطر من السماء وهو العلو من الفضاء الواسع {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ} أي أدخله في الأرض ينابيع وهي العيون والمسالك والمجاري الكائنة في الأرض كالعروق في الأجساد {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} يخرج الله بواسطة الماء زرعا مختلف الأنواع والأصناف والطعوم والروائح والألوان من خُضرة وحمرة وصفرة وبياض {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} أي بعد ذلك يجف وييبس فينقلبُ لونه أصفر بعد أن كان نضرا أخضر {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} أي فُتاتا متكسرا - وهو ما تفتَّت وتكسر من النبات وغيره.