فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 2536

وقوله: {قالوا سمعنا وعصينا} وذلك على سبيل المجاز فقد لا ينطقون ذلك بألسنتهم حقيقة، وإنما كانت حالهم تنطق به كأنما يقولون سمعنا سماعا مجردا وعصينا أن نعمل بما في الأمر - وقيل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا وقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أي خالط حب العجل قلوبهم فخلُص إلى صميمها خلوصا - وذلك هو الإشراب الذي يداخل القلب مداخلة تستعصي على الفكاك، وذلك على سبيل الاستعارة التي تتجلى من خلالها الصورة على التمام - وهي صورة القلب الزائغ المتجانف الذي استحوذ عليه حب العجل حتى مرد عليه مرودا شائنا - وفي صدد التعبير بالإشراب يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) في الفتن تتشربها القلوب تشربا:"تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما القلب أشربها نُكت فيه نكتة سوداء"والنكتة العلامة، وقوله: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} بعد الحديث الكريم عن القلوب المريضة التي أشربت حب العجل يأمر الله نبيه أن يخاطب هؤلاء القوم الفساق خطاب التنديد والذم بأنه بئس هذا الإيمان الفاسد الزائف الذي تنطوي عليه صدوركم، وبئس الذي يأمركم به هذا الإيمان من سقيم العبادة والتوجه - وهذا الضرب من الإيمان ليس من الحق أو الهداية في شيء وما هو إلا الباطل والضلالة برمتها.

وقوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} تلك صورة من صور التحدي يأمر الله نبيه عليه السلام بطرحها أمام يهود - غير أنهم خسئوا ونكصوا أمام هذا التحدي القائم الصارخ كان ذلك بعد أن زعمت يهود في ضلالة واغترار بأنهم خير الأمم، وأنهم غير معذبين في النار سوى أيام معدودات، وأنهم وحدهم يستأهلون الجنة وليس لأحد غيرهم أن يشاركهم فيها - وفي مثل هذا الزيف من القول يتحداهم الله أن يتمنوا الموت، ذلك أن الذي يكون متوثقا من دخول الجنة والسلامة من عذاب النار لا جرم أن يتمنى الموت، فيبرح هذه الحياة الحافلة بالكد والنصب؛ ليلج الدار الباقية المستديمة حيث الهناء والأمن والسعادة، وهو تحد لا جرم أن يكون واضحا مكشوفا لا تعتريه مواربة ولا يجلله غموض - وخلاصته أن من أيقن أنه من أهل الجنة فهو يظل مشدودا إليها راغبا في الابتهاج بنعيمها السرمدي الفياض، وطريق ذلك نفاد سني العمر، والرحيل من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة حيث النعيم المقيم، كذلك كان التحدي الذي لم يلق إلا قلوبا فارغة خاوية وآذانا موقورة عطلها الصمم بما يدل على كذب هؤلاء القوم وسوء قصودهم، وأنهم ليسوا على شيء مما زعموا فقال سبحانه: {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت