فهرس الكتاب

الصفحة 1517 من 2536

ثم الشمس - هذا الجرم الكوني العجيب الذي يعدل مئات الملايين من المرات مساحة الأرض - وهو كتلة متأججة مستعرة من اللهب المتوقد المضطرم - والشمس؛ إذ تفيض على الدنيا بالإشراق والضياء والدفء؛ فإنها تنشر فيها الحياة والنماء والحرارة وكل أسباب العطاء والقرار.

ثم القمر، هذا الجرم الساطع اللامع المتلألئ المحبوب، الذي يثير في الدنيا الجمال والسرور وينشر في النفس البهجة والسكينة والحبور - لا جرم أن هذه الآيات الكبريات لأعظم شاهد على قدرة الخالق المبدع الدّيّان.

قوله: (كل في فلك يسبحون) الفَلَك بالتحريك، مدار النجوم وجمعه أفلاك - والفلك من كل شيء مستداره ومعظمه 17 هذا في اللغة - والمرد به هنا أنه المتسع من السماء الذي تجري فيه الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب - ولكل واحد منها فلك يخصه ويدور فيه.

وقوله: (يسبحون) أي يسيرون ويدورون - والضمير، للشمس والقمر - والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة وهي متكاثرة - وقيل: ثمة معطوف وهو، والنجوم؛ أي أن كل واحد من هذه النجوم والأجرام سواء الشمس والقمر وغيرهما إنما يدور في فلكه وهو متسعه ومستداره الذي يدور فيه 18.

قوله تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) } ذكر أن بعض المسلمين قال: إن محمدا (ص) لن يموت إنما هو مخلد - فأنكر ذلك الرسول (ص) فنزلت الآية - وقيل: طعن كفار مكة على النبي (ص) بأنه بشر يأكل الطعام ويموت فكيف يصح إرساله - وقال الزمخشري: كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته - فنفى لله عنه الشماتة بقوله: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون) أي لم يجعل الله لأحد بقاء دائما في هذه الدنيا، وإنما كل بشر لا محالة صائر إلى الموت - وهذه سنة كتبها الله على آدم وذريته، لا تبديل لسنة الله.

قوله: (أفإين مت فهم الخالدون) الهمزة للاستفهام - والفاء للعطف - وإن، شرطية - والجملة بعدها جواب الشرط - وذلك دفع للشماتة التي تخفيها قلوب الماكرين والحاسدين والمتربصين الذين يتربصون برسول الله (ص) دائرة الموت، وهم أنفسهم صائرون إليه.

وهذا ديدن الحاقدين السخفاء في كل زمان؛ إذ يتربصون بالمسلمين الدوائر فيؤملون أن تنزل بهم النائبات والبلايا، ومنها داهية الموت - فلا جرم أن ذلك ضرب من السفه والحماقة تتلبس بهما عقول السخفاء والماكرين من الناس وهم يشمتون بخصومهم إذا أتى عليهم داهم الموت الذي لا ينجو منه أحد - وهو قوله: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة)

(كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة) الله يمتحن عباده بمختلف وجوه الفتن سواء في ذلك الشر أو الخير، حتى يتبين الصابر من الفاجر، أو يتبين الشاكر من الكافر (جاحد النعمة) فهو سبحانه يمتحن الناس بالغنى والفقر، أو بالصحة والسقم، أو بالشدة والرخاء - وهذه الوجوه المتباينة من ضروب البلاء تكشف عن عزيمة الإنسان المبتلى، ومدى اقتداره على الثبات والاحتمال عند مداهمة الفتن سواء في الخير كنعمة المال والصحة والسلطان والشباب، أو الشر كالفقر والمرض والذل والهرم - ثم يؤول الجميع بعد ذلك إلى ربهم ليلاقوا الجزاء - وهو قوله: (وإلينا ترجعون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت