فهرس الكتاب

الصفحة 1364 من 2536

قوله: (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) أي لعل الله أن يرحمكم بعد ما انتقم منكم بالذين بعثهم عليكم ليسوءوا وجوهكم بتقتيلكم وتدميركم وسبيكم ودخولهم المسجد ثانية مثلما دخلوه أول مرة ليعيثوا فيه الفساد والتخريب - لعله سبحانه يستنفذكم من هذا الكابوس الفظيع، وينتشلكم مما حل بكم من الذل والهوان - وقد تحقق لهم ذلك؛ إذ رفع عنهم الخساسة والذل، وجعل منهم الأنبياء والملوك وكثّر عددهم تكثيرا.

قوله: (وإن عدتم عدنا) ذلك وعيد من الله قائم يتهدد به بني إسرائيل على مرّ الزمن - وجملة ذلك: إن عدتم يا بني إسرائيل إلى المعاصي والفساد والتخريب ومخالفة أوامر ربكم واتبعتم الشيطان وما تسوّله لكم أهواؤكم العاتية (عدنا) أي عدنا عليكم بتسليط من يجتاحكم ويجوس خلال دياركم فيبادركم القتل وإحلال الذل والصغار - ولقد عادوا فعاد الله عليهم بما توعدهم به من العقاب الأليم؛ إذ بعث عليهم في كل إفسادة من إفساداتهم الكثيرة، من يسومهم سوء العذاب بقتلهم وإذلالهم وتهجيرهم واستعبادهم.

قال ابن عباس في تأويل قوله: (وإن عدتم عدنا) : عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد.

وقال الرازي في هذا الصدد: يعني إن بعثنا عليكم من بعثنا ففعلوا بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة؛ لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي، ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية، عدنا إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى 10.

على أن المراد بعذابهم في الآية، ما كان في الدنيا - أما عذاب الآخرة: فهو شأن آخر؛ فهم كلما أفسدوا في الأرض وعاثوا في الدنيا تخريبا وتتبيرا ولما؛ عجل الله لهم العذاب؛ إذ بعث عليهم من يروم إهلاكهم وقتلهم بالجملة كالذي حصل لهم من تقتيل وإبادة على أيدي الجبابرة من طغاة العالم عبر التاريخ كبختنصر وسحاريب وطاغية مصر، فرعون - وملوك الروم، ثم أقطاب التسلط في العصور الوسطى الذين ساموا اليهود العذاب والهوان والتقتيل، سواء في أوربا أو في غيرها من بلدان العالم - وذلك كله يكشف عن وعيد الله الذي لا يبرح بني إسرائيل - وهو وعيد قائم وماثل، ما فتئ يتهدد يهود بالهلاك والتدمير كلما عادوا للإفساد في الأرض - وأصدق دليل على ذلك قوله سبحانه: (وإن تأذن ربك ليعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) وقد بينا ذلك في سورة الأعراف.

قوله: (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا) أي سجنا يحبسون فيه من الحصر وهو الحبس - وبذلك فإن جهنم محيطة بالكافرين من كل الجهات ولا رجاء لهم في التفلت أو الخلاص - وقيل: الحصر، بمعنى الفراش أو البساط؛ فقد جعل الله جهنم للكافرين فراشا ومهادا - 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت