قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) } يأمر الله المؤمنين بأداء الصلاة على وجهها الأتم؛ فهي عماد الدين وأعظم عبادة يؤديها المسلمون وهم يتوجهون إلى ربهم طائعين منقادين متذللين لا يتوجهون إلى أحد سواه ولا يرومون التأييد والمنعة والثبات من غيره - وكذلك الزكاة فإنها فريضة جليلة كبرى أوجبها الله على المقتدرين من المسلمين حقا للمعوزين والمحاويج وغيرهم من مستحقي الزكاة.
ويدعو الله عباده المؤمنين أن يطيعوا رسولهم فيما أمرهم به وأن ينتهوا ويحذروا ما نهاهم عنه - فإن من أطاع الرسول فقد أطاع الله - وما ينطق رسول الله (ص) عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى) .
قوله: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض) أي لا تظنن أن هؤلاء الكافرين الذين يحادون الله ورسوله ويكيدون للإسلام والمسلمين كيدا (معجزين في الأرض) أي لا يعجزون الله إن أراد أن يهلكهم؛ بل إن الله قادر على إهلاكهم وإفنائهم (ومأواهم النار ولبئس المصير) مردهم إلى النار لتكون لهم شر منزل ومقام يأوون إليه فبئس العاقبة والمرجع.
58 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) } .
روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال: وجّه رسول الله (ص) غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وقت الظهيرة ليدعوه - فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته عليها - فقال: يا رسول الله، وددت لو أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حال الاستئذان.
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقيل: نزلت في أسماء بنت مرثد كان لها غلاما كبير فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول الله (ص) فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها - فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية 76.
هذه الآية خاصة وما قبلها عامة - فما تقدم في أول السورة يتضمن استئذان الأجانب بعضهم على بعض - أما هذه الآية فهي في استئذان الأقارب بعضهم على بعض؛ فقد أمر الله المؤمنين أن يستأذنهم من عندهم من المملوكين والخدم والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم - فما ينبغي لهؤلاء أن يدخلوا على المؤمنين إلا بعد استئذانهم - وذلك في حالات ثلاث تقتضي عادة الناس التكشف فيها والتعري - وهي: