قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} تزر أي تحمل، من الوزر وهو الثقل والإثم وسمي السلاح وزرا لثقله - وكذلك سمي الوزير بهذا الاسم، لأنه يحمل ثقل التدبير عن الملك أو الأمير - ومنه الوزارة بالكسر 222 والمراد به هنا الإثم أو الذنب - والمعنى أنه لا تؤاخذ نفس آثمة نفس أخرى - أي لا تؤاخذ نفس بذنب غيرها بل كل نفس مأخوذة بخطيئتها فتعاقب بها.
قوله: {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} ذلك وعيد شديد من الله للناس الذين ضلوا وفسقوا عن أمر الله واتبعوا خطوات الشيطان فإن مردهم إلى الله في اليوم الموعود - وهنالك ينبئهم الله بأعمالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وبأحوالهم من الشرك على اختلاف صوره وأشكاله - إذ كان منهم الوثنيون، ومنهم المجوس ومنهم الزنادقة وأهل الضلال، ومنهم أهل الكتاب الذين حرفوا دينهم تحريفا 223.
قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلئف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم في ما ءاتكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} خلائق جمع خليقة - مثل كريمة وكرائم - وهو من الخلف بسكون اللام أي القرن بعد القرن 224 والمعنى أن الله جعل الناس {خلئف الأرض} أي يخلف بعضهم بعضا، كلما مضى قرن جاء بعده قرن آخر - أو كلما ذهب جيل خلفه جيل غيره - وهكذا الأمم على مر العصور يخلف بعضها بعضا - فما تجيء أمة من الأمم حتى تؤول إلى الهلاك والزوال لتعقبها أمة بعدها إلى أن تقوم الساعة - وذلك كله من تدبير الله القدير الذي صنع الحياة والعالمين بعلمه وتدبيره وحكمته.
قوله: {ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم في ما ءاتكم} درجات مفعول ثان لرفع - وقيل غير ذلك 225 والمعنى أن الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات في العقل والعلم والرزق والقوة والجاه وغير ذلك من المظاهر الدنيوية التي جاءت نتيجة لما أوتي الإنسان من قوة العقل أو الجسم أو التفكير أو التدبير - والناس بطبيعتهم متفاوتون فيما أوتوه من قدرات فطرية أو طاقات خلقية، كطاقة الذكاء أو البسطة في الجسم أو السعة في مدى الذهن وأفق التفكير، أو القوة في الاحتمال والتخطيط والتدبير وغير ذلك من وجوه التفاوت في القدرات الذاتية الخلقية للإنسان - لا جرم أن التفاوت في مثل هذه القدرات سيفضي بالضرورة إلى التفاوت في مدى الكسب أو التحصيل أو التميز ليكون الناس بعذ ذلك درجات كما بينته الآية - فيكون فيهم القوي والضعيف، وفيهم الغني والفقير، وفيهم العالم والجاهل، وفيهم النشيط والخامل.
قوله: {ليبلوكم في ما ءاتكم} من الابتلاء وهو الامتحان والاختبار - فإن الله جل وعلا يختبر العباد فيما أوتوه من قدرات ودرجات في العقل أو الجسم أو غير ذلك من المزايا، ليحاسب الموسر على ما آتاه الله من مال، وليحاسب العالم بعلمه، هل عمل به أم لم يعمل - وليحاسب ذا الجاه والمكانة بما فعله في جاهه أو مكانته، هل استعملها في نصرة الحق أم في الباطل كظلم الناس والترفع عليهم في استكبار واستخفاف - وبذلك فإن العبد غير مسيب ولا منفك من تحمل التبعة عما أوتيه من مزايا في دنياه ولكنه مؤاخذ بها ومسؤول عنها يوم القيامة.