والمعنى: وآتينا قارون من كنوز الأموال ما إن مفاتيح صناديقه أو خزائنه {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} أي يثقلهم حمل المفاتح، أو تميله المفاتح بثقلها - أو ينهضون بها متثاقلين - والعصبة: الجماعة من الناس.
قوله: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} قال له قومه ناصحين مذكرين: لا تبطر ولا تهلك الدنيا بزينتها عن الآخرة، فإن الله لا يحب الأشرين البطرين - أو لا يحب المتبذخين السادرين في اللهو، والذين لا يشكرون الله على ما آتاهم من فضله.
قوله: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} أي التمس بما أعطاك الله من خير ومال كثير الدار الآخرة وهي الجنة - وذلك هو خلق المسلم التقي الفطن، إن كان ذا مال أو جاه أو قوة؛ فإنه يسخر كل ما أوتيه من عطاء وفضل في طاعة الله، وفي تحصيل مرضاته ليظفر بالجنة وينجو من النار.
قوله: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أي لا تترك أن تطلب حظك في الدنيا من الرزق - أو لا تترك ما أحل الله لك منها فإن فيه لك غنى وكفاية - والمراد به: طلب الحلال، وعدم تضييع الحظ من الدنيا في التمتع بالحلال منها - وفي ذلك من الرفق بالإنسان لتحصيل ما يشتهيه بالمعروف والاعتدال ما لا يخفى - وفي جملة ذلك قال ابن عمر:"احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".
قوله: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} أي أحسن في الدنيا بالشكر لله وجميل الطاعة لجلاله العظيم كما تفضل عليك بجزيل النعم.
قوله: {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} أي لا تطلب ما حرمه الله عليك من المعاصي والبغي والعدوان وكل وجوه الفساد {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين} الله لا يحب أهل البغي والتجبر والكبر، الذين يشيعون في الأرض المعاصي والفتن ويسعون في الأرض فسادا 59.
قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِ الْمُجْرِمُونَ} ذلك إخبار من الله عن مقالة قارون لقومه حين نصحوه ووعظوه كيلا يكون من البطرين، وأن يلتمس الدار الآخرة بنا أوتيه من المال والخير فقال لهم: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} أي أوتيت هذا المال على استحقاق لما عندي من العلم الذي فضلت به على الناس، إذ كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة؛ أي أوتيته على علم بالتوراة؛ فقد روي أنه كان من أعلم الناس بالتوراة ومن أقرئهم لها، وكان أحد العلماء السبعين الذين اختارهم موسى للميقات - وقيل: أوتيت هذا المال لعلم الله بأني أستحقه ولمحبته لي، ولأن الله يعلم أنني أهل لهذا المال.