قوله: (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) أي إن كنتم تكذبون ما نذكره لكم عن حال الأمم السابقة وما حل بهم من البأس والتدمير بسبب جحودهم وعصيانهم فسيروا أنتم في الأرض التي كانت مقامهم، والبلاد التي عمروها وبنوا فيها الحضارة وشيدوا فيها المباني والعمران، ثم انظروا إلى آثار عذاب الله فيهم، وكيف أعقبهم تكذيبهم وعصيانهم ما حاق بهم من الهلاك والسوء - وسوف تعلمون إذ ذاك صدق ما نقوله لكم لكي تعتبروا وتتعظوا وتتزجروا عن الشرك والضلال.
قوله: (إن تحرص على هداهم فإن لله لا يهدي من يضل) أي إن تطلب بجهدك وبالغ اهتمامك هداية هؤلاء الضالين المشركين؛ فإن الله لا يهدي ولا يرشد من أضله - ونظير ذلك قوله تعالى: (من يضلل الله فلا هادي له) وهذا إخبار من الله لرسوله (ص) بأن حرصه الشديد على هداية قومه المشركين لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم، فمن أضله الله فإنه ليس من أحد يهديه.
قوله: (وما لهم من ناصرين) الناصر والنصير بمعنى المعين؛ أي ليس من أحد غير الله من يعين هؤلاء الضالين الظالمين، أو ينقذهم من عقاب الله إن أراد الله أن يعذبهم 38.
قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) } .
ذكر في سبب نزول هذه الآية: أن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلم به: والذي أرجوه بعد الموت - فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك لتبعث بعد الموت، فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت؛ فأنزل الله هذه الآية 39 وفيها إخبار من الله عن المشركين أنهم حلفوا فأقسموا بالله (جهد أيمانهم) أي اجتهدوا في الحلف وبالغوا في تغليظ اليمين على أن الله لا يبعث من يموت - وهذا تكذيب فاجر فاضح بيوم القيامة - هذا الركن الركين في عقيدة هذا الدين! فإنه لا يجترئ على التكذيب بالبعث أو بقيام الساعة إلا خاسر هالك تاعس، مردود في زمرة الأشقياء الأذلين، أو هو في عداد الكافرين الضالين الذين سقطوا في براثن الجحود والتكذيب المتوقح لرب العالمين.
قوله: (بلى) وهذا إثبات لما بعد النفي؛ أي بلى ليبعثنهم يوم القيامة ليناقشوا الحساب ثم يلاقوا ما يستحقونه من جزاء.
قوله: (وعدا عليه حقا) (وعدا) ، مصدر مؤكد - و (حقا) صفة للوعد؛ أي وَعَدَ العبث وعدا حقا - والبعث حقيقة كونية هائلة تصدقها الأذهان في بساطة، وتركن إليها القلوب والفطر السليمة في راحة ورضى؛ إذ تحس من أعماق أعماقها حقيقة هذا الحدث الكوني الأكبر، الحدث المزلزل الجلل الذي يأتي على الحياة والكائنات والوجود كله ليصير إلى الفناء الكامل، والانهيار المريع - وذلكم وعد من الله كتبه في الأزل - ووعد الله حق وصدق - وهو سبحانه لا يخلف الميعاد.