فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 2536

وقيل: إنها نزلت في المنافقين الذين عابوا نفرا من الصحابة استشهدوا في الرجيع، وقالوا فيهم: ويح هؤلاء القوم، لا هم قاعدون في بيوتهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم.

ومع أننا لا ننكر مثل هذا السبب الخاص لنزول الآية إلا أننا نعوّل في هذا الصدد على القاعدة الأصولية التي تذهب إلى أن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب - وعلى هذا فإن الآية يصدق بسطها على كل من يخفي في نفسه كفرا أو نفاقا وهو يظهر من حلاوة اللسان ومعسول القول خلاف ذلك - فالآية بذلك عامة تتناول كل مظاهر النفاق الذي يستتر به الخداعون والكذابون من الناس.

والمعنى للآية أن فريقا من الناس يطوي في صدره الكذب والخداع، سواء كان كافرا أو مسلما ثم يتظاهر أمام الناس بلبوس من الخلق المصطنع يعجب الناظرين - وهو مع ذلك (ويشهد الله على ما في قلبه) أي يقول للناس ليصدقوه: الله يعلم أو يشهد أنني صادق، لكن الحقيقة أن الله يعلم أنه ألدّ الخصام، والألدّ من الفعل لدّ يلدّ، أي اشتدت خصومته، والمصدر لدَد - نقول: لدّ الرجل خصمه لدّا أي شدد خصومته - ولدود مبالغة ومعناه خصيم، شديد الخصومة.

أما الخصام فهو مصدر خاصم - نقول خاص يخاصم خصاما - وقيل: جمع ومفرده خصم وهو الشديد الجدال في ظاهر حسن وباطن خبيث 269.

قوله: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) هذا المنافق الخصيم أو المراوغ الكاذب المحتال ذو المنظر الحسن والسريرة الجاحدة إذا انطلق في الأرض مدبرا، فإنه يسعى فيها حثيثا بالإيذاء والتخريب - ومن جملة إيذائه وتخريبه أمه يخرب الزرع والثمرات بتحريقها، ويقتل الدواب والأنعام التي يعثر عليها حال توليه وسعيه - وهذا الصنف من الناس فاسد خبيث لا يستطيب غير التخريب والسعي في الأرض بالفساد - فهو الصنف من الناس فاسد خبيث لا يستطيب غير التخريب والسعي في الأرض بالفساد - فهو صنف حقير منبوذ بغيض إلى الله سبحانه (والله لا يحب الفساد) و (الحرث) معناه الولد ويراد به ما خرج من كل أنثى من ولد.

وقوله: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم) العزة هي القوة والغلبة - وقيل المراد بها في الآية هنا الحمية - وقيل: المنعة وشدة النفس - والمقصود أن هذا الكافر أو المنافق أو الفاجر إذا وعظه واعظ وقال له: اتق الله أي كف عن إفسادك ومعاصيك (أخذته العزة بالإثم) أي اعتز في نفسه غرورا وحمية فحمله ذلك على الإثم، ويشبه ذلك ما قاله قتادة في هذا الصدد: إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية - أي حملته العزة على الإثم.

وقوله: (فحسبه جهنم ولبئس المهاد) هذا المعتد الفاجر العنيد سوف يكفيه من العذاب المرير أن تكون جهنم مثواه ومآله الأخير المحتوم (ولبئس المهاد) و (المهاد) جمع ومفرده المهد وهو الفراش - فيا لسوء الموطن والمفترش، وبالسوم المنام والمقام، هذا المثوى المحترق الذي تتظلى فيه الجحيم وتنبعث من ألسنة الشواظ واللهب 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت