قوله: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) نزلت هذه الآية في كفار قريش؛ إذ هموا بإخراج رسول الله (ص) من بين أظهرهم فتوعدهم الله بهذه الآية - وهو أنهم لو أخرجوه من مكة لما لبثوا بعده فيها إلا يسيرا - وذلك الذي وقع؛ فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد اشتداد أذاهم له إلا سنة ونصف سنة حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد فأمكنه الله منهم ونصره عليهم، فقتل أشرافهم، وكسر شوكتهم، وأعادهم إلى مكة منتكسين مقهورين 89 - و (يستفزونك) ، يعني يستخفونك ويخرجونك - وذلك من الاستفزاز وهو الإزعاج 90 فقد همّ المشركون بإخراج النبي (ص) من مكة ولو أخرجوه لما أمهلوا - لكن الله أمره بالهجرة فخرج؛ أي أن النبي (ص) ما خرج بسبب إخراج المشركين إياه؛ بل خرج بأمر من الله.
قوله: (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) أي لو أخرجوك فسوف لا يمكثون بعد إخراجك إلا زمنا يسيرا - وقد كان ذلك؛ فإنهم لم يلبثوا بعد خروج النبي (ص) من مكة إلا مدة يسيرة؛ إذ أخرجهم الله ليلاقوا مصارعهم يوم بدر.
قوله: (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) (سنة) ، منصوب على المصدر المؤكد لما قبله - والتقدير: أهلكناهم إهلاكا مثل سنة من قد أرسلنا قبلك - فحذف المصدر وصفته وأقيم ما أضيف إليه الصفة مقامه 91 - أو سننا ذلك سنة فيمن قد
أرسلنا قبلك - والمراد: أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم ظلما وعدوانا فسنة الله أن يهلكهم.
قوله: (ولا تجد لسنتنا تحويلا) ذلك هو شأن الله في عقاب المجرمين الذين يخرجون أنبياء الله من أوطانهم ظلما - وشأن الله في ذلك لا يتغير ولا يتبدل 92.
قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (78) ومن الليل فتجهد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) } ذلك بيان من الله لأشرف الطاعات وأرفعها قدرا وأجلها تعظيما وهي الصلاة؛ فقد أمر الله المسلمين أن يقيموا هذه الفريضة العظيمة على خير وجه من الصحة وتمام الأداء، وأن يحافظوا عليها في كل الأحوال، وأن لا يفرطوا فيها أيما تفريط - وقد بيّن الله أوقات الصلوات المفروضة جميعها في هذه الآية، وبهذا الأسلوب الجامع العجيب في كلمات معدودة مصطفاة على أكمل ما يكون عليه الترابط والانسجام بما ينطق بروعة هذا القرآن وإعجازه فقال: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) اختلف العلماء في معنى الدلوك هنا على قولين: أحدهما: أنه غروب الشمس - وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب وهو رواية عن ابن عباس.