فهرس الكتاب
قوله: (وإن الله على نصرهم لقدير) الله مقتدر على أن يجعل النصر للمؤمنين من غير قتال؛ لأن الأقدار والآجال والمصائر كلها بيد الله سبحانه، فهو القادر أن يجعل النصر لما شاء من عباه؛ لكنه كتب على عباده المؤمنين أن يجتهدوا في طاعته وأن يبذلوا من الأعمال والطاعات في هذه الدنيا لينالوا رضوان الله - وما الدنيا هذه إلا دار امتحان واختبار للعباد، ثم تفضي بعد ذلك إلى الحساب والجزاء.
40 - (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
قوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق) (الذين) في موضع جر صفة (للذين يقاتلون) 59 - لقد ظلموا بإخراجهم من ديارهم ووطنهم مكة ظلما وعدوانا - وإنما كان سبب إخراجهم أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له - فهم مؤمنون موحدون لا يعنون بطاعة أو خضوع إلا لله رب العالمين - وهو قوله: (إلا أن يقولوا ربنا الله) الجملة في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع 60 أي: لكن لقولهم: ربنا الله - وكان هذا عند المشركين السفهاء أعظم ذنب - لا جرم أن ذلك ديدن المجرمين من الكفرة والمتربصين في كل زمان ومكان - فهم يكيدون للإسلام والمسلمين أبلغ الكيد بسبب عقيدتهم المستقيمة واستمساكهم بمنهج الحق، وهو منهج الإسلام - والمشركون يغيظهم بالغ الغيظ أن يروا المسلمين مستمسكين بدينهم أو أنهم يتبعون شريعة الإسلام دون غيرها من الشرائع - ذلك هو ديدن المجرمين الكافرين ودأبهم في كراهيتهم للحق وعداوتهم للإسلام - ون أجل ذلك فإنه لا مندوحة عن تشريع الجهاد لردع المجرمين وصدهم ودفع أذاهم عن المسلمين وإبطال مخططاتهم في العدوان على المسلمين.
إن هؤلاء الأشرار والأشقياء من الكفرة المناكيد لا تجدي معهم الحجة ولا يؤثر فيهم المنطق والبرهان - إنما تدفعهم الصرامة وشدة البأس والقوة من أجل أن تخمد شرورهم ونيرانهم ومفاسدهم.
قوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) كان من تقدير الله وحكمته البالغة أن يدفع بقوم عن قوم - ويصدّ شر أناس عن آخرين وذلك بمختلف الأسباب في القوة والبأس - ولولا أن الله سبحانه وتعالى شرع الجهاد للنبيين والمؤمنين ليقاتلوا المشركين والظالمين في كل زمان لطغى المشركون طغيانا فاستولوا على المسلمين ولكان قد عمّ في الأرض الفساد والشر، ولكان الظالمون قد تسلطوا على المؤمنين من أهل الملل المختلفة في أزمنتهم فاستحوذوا عليهم وعلى متعبداتهم فهدموها ولم يتركوا للنصارى كنائس ولا لرهبانهم صوامع ولا لليهود صلوات ولا للمسلمين مساجد.
أو لتسلّط المشركون من أمة محمد (ص) على المسلمين وعلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين هم في ذمة المسلمين، فهدموا بطغيانهم وعدوانهم بيوت العبادة للفريقين وهم المسلمون وأهل الكتاب - ذلك أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى إنما يؤتمن عليهم المسلمون عندما تكون لهؤلاء دولة تحكم بشريعة الإسلام وتسوس البشرية على منهج الله - وحينئذ يناط بدولة الإسلام أن تصون بيوت العبادة لأهل الكتاب سواء في ذلك الصوامع والكنائس والبيع والصلوات وهي كنائس اليهود - وأيما اعتداء عليها فإنما هو اعتداء على المسلمين أنفسهم.