فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 2536

وذهب آخرون- وهو الراجح- إلى أن هذه الآية تفيد العموم؛ لكنها خصصها قوله تعالى في الآية السابقة: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) ويفهم من هذه الآية أن المتعة لا تكون إلا للمطلقات قبل المسيس ولم يفرض لهن صداق، وهو تخصيص للعموم الوارد في الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

قوله: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) يفصل الله آياته للناس مبينا فيها بوضوح أحكامه من الحلال والحرام والفروض والحدود؛

وذلك من أجل أن يتدبر الناس أحكام هذا الدين ويقفوا عند حدوده من غير تفريط أو تقصير أو مجاوزة

قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون) - قيل نزلت هذه الآية في قوم بني إسرائيل استوخموا قريتهم لما أصابهم فيها من الوباء، وقيل الطاعون، فخرجوا منها فرارا من الموت هاربين إلى البريّة - لكنهم كتب الله عليهم أن يموتوا بعد خروجهم؛ ليعلموا أن وعد الله بالموت حق، وأن الحذر لا يغني من القدر، وأن الآجال والأعمار محدودة فهي لا تنقص ولا تزيد - ولا نستطيع الوقوف في يقين على عدد هؤلاء الهاربين من الموت فقد قيل: إنهم كانوا أربعة آلاف، وقيل: كانوا ثمانية، وقيل: إن عددهم جاوز العشرة آلاف، وذلك من قوله: (وهم ألوف) والواو تفيد الحال والجملة الإسمية بعدها في محل نصب حال - و (حذر) مفعول لأجله منصوب، (الموت) مضاف إليه.

وفي كل ما يبينه الله للناس من الأدلة الواضحة والبراهين المكشوفة، وما أنزله في الكتاب من الدلائل والأمثال والمواقف والبينات، فإنه يجلّي فضل الله على العباد - وكان عليهم أن يذكروا ذلك وأن يشكروا لله ما تفضل به وأنعم (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) .

وقوله: (وقاتلوا في سبيل الله) الخطاب موجّه لأمة محمد (ص) ، فقد كلف الله المسلمين من هذه الأمة بفريضة الجهاد، وأمرهم ألا يترددوا أو يجبنوا أو يتوانوا، فإن شيئا من ذلك لا يدفع عن النفس الموت، ولا يؤخر عنها الأجل الموعود - وفي ذلك يقول الله في آية أخرى: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) - وعلى المؤمن الواثق المستيقن أن يعلم أن الأجل محدود، وأنه لا يغني حذر من قدر - ومن أعظم ما يذكر في هذا الصدد ما ورد عن فارس الفرسان وأشجع الشجعان سيف الله المسلول خالد بن الوليد- رضي الله عنه- لما حضرته الوفاة قال وهو على فراش الموت قولته المشهورة: لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو ضربة أو طعنة، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت