قوله: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} ذلك هو الإنسان الظالم لنفسه، التائه عن دين الله، السارب في مسالك الباطل والشرك، فإنه إذا أصابه ضُرٌّ في نفسه من مرض أو عاهة أو بلاء أو شدة أو نحو ذلك من وجوه البلاء والمحن، لجَّ إلى الله بالدعاء راجعا عن شركه وعصيانه مستغيثا به، مخبتا له في إزالة ما أصابه من الشدة والبلاء {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} خوَّله الله نعمة، أي أعطاه أو ملكه إياها - يعني إذا منحه الله نعمة منه فكشف عنه ما نزل به من البلاء والشدة وأبدله بهما الصحة والسلامة والعافية والرخاء {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} أي ترك دعاءه وتذلله واستغاثته التي كانت من قبل أن يكشف عنه الضُرَّ - فعاد إلى الشرك والمعصية واتخاذ الأنداد والشركاء من دون الله {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} أي ليفتن الناس عن دين الإسلام بعد أن نسي الدعاء وكشف البلاء.
قوله: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا} أي قل لهذا الجاحد المضل الذي فَسَقَ عن أمر الله وأوغل في الشرك والمعاصي {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ} حيث الشهوات واللهوات والسيئات واتباع الهوى - وذلك كله قليل عارض؛ فإن أجلك آتٍ، وكل آتٍ قريب - وذلك أمر تهديد ووعيد {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} أي إن مصيرك إلى النار لتكون فيها من اللابثين الماكثين.
قوله: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ} قرئ {أَمْ مَنْ} بالتخفيف والتشديد - فبالتخفيف تكون الهمزة للاستفهام بمعنى التنبيه - ويكون في الكلام محذوف وتقديره: أمَنْ هو قانت بفعل كذا كمن هو على خلاف ذلك - ومن قرأ بالتشديد فإنه أدخل (أم) على من بمعنى الذي، وليس بمعنى الاستفهام؛ لأن أم للاستفهام فلا يدخل على (أم) هو استفهام - وفي الكلام محذوف تقديره: العاصون ربهم خير أم من هو قانت {قَانِتٌ} من القنوت وهو الطاعة، والقانت، المطيع - و {آَنَاءَ اللَّيْلِ} أي ساعات الليل - وقيل أوله وأوسطه وآخره.
والمعنى - على التشديد: العاصون الذي تقدمت صفتهم خير، أم الذي هو مطيع لربه، منيب إليه بالدعاء والخشوع في كل أوقات الليل {سَاجِدًا وَقَائِمًا} أي يقنت ساجدا أحيانا، ويقنت قائما أحيانا {يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ} أي يحذر العقاب في الآخرة {وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي يرجو من الله رحمته فيجزيه الجنة.
قوله: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك ثناء من الله عظيم على أهل العلم وهم الذين يؤمنون بالله ويخشونه ويذعنون له بالطاعة والخضوع والامتثال وهم موقنون أن وعد الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها - أولئك يطْريهم الله ويثني عليهم ويذكرهم أحسن الذكر فهم أولو أذهان مدّكرة فَطينة، وطبائع مستوية سليمة - وخلافهم الجاحدون المدْبرون عن جلال الله، الزائغون عن صراط المستقيم الناكلون عن دينه القويم نكولا أفضى بهم إلى الضلال والخسران.
فهم الذين لا يعلمون - وقيل: المراد العلماء المدَّكرون المعتَبِرون، والجاهلون الضالون المتخبطون - لا جرم أن الفريقين لا يستويان، كما لا يستوي العلم والجهل، ولا يستوي العالم والجاهل - وكذلك لا يستوي الطائعون والعصاة.