فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 2536

وفي الآية دعوة للزوجين المتناشزين أو اللذين نشز أحدهما أن يبوء كلاهما إلى الصواب، وهي المصالحة التي تتحقق بإسقاط كل منهما لجزء مما له على الآخر لتزول عن الزوجية لائحة الفرقة التي تلوح في أفق البيت، ولتعود لهما وللأسرة حياة تموج بالتعاطف والود - إن على الزوج ألا يضن بالبذل أو التغاضي عما له من حق إذا التمست منه الزوجة عدم تطليقها - وأن على الزوجة كذلك ألا تضن بالتغاضي عن حقها في العشرة والمسيس إذا وجدت من بعلها نفورا قد نضبت معه بواعث الرغبة لدمامة أو شيخوخة أو نحو ذلك مما لا يملك الرجل معه أن يجبر نفسه على المحبّة والرغبة في المسيس إجبارا.

في الآية تأكيد على نبذ الشح ما أمكن واطراحه من النفس اطّراحا بعد مجاهدته من خلال مكابدة وترويض إلى أن تتخلص النفس من هذه اللوثة المستحكمة المستعصية قدر المستطاع.

وقوله: (وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) - ذلك ترغيب للأزواج في أن يكبحوا ما في نفوسهم من جنوح لغيرهن ورغبة عنهن بسبب افتقادهن للجمال أو المال أو غير ذلك، وفي أن يحتملوا مشقة الصبر على البقاء معهن في عدل ووفاء وفي معاشرتهن بالمعروف ومساواتهن بغيرهن من الزوجات إن كن موجودات دون ميل عنهن أو نفور - وتلك شيمة الأزواج الكرام الذي يعاملون زوجاتهم بالحسنى والذين يظلّون على تقوى من الله فيربأون بأنفسهم عن نوازع الشهوة اللجوح وضواغطها الثقال - والله جلت قدرته مطلع على ما يفعله الرجال الأبرار حيال زوجاتهم من خير وإحسان، فلا يظلمونهن ولا يؤثرون عليهن في حق من الحقوق ولا يميلون عنهن لسبب من أسباب النفس الضعيفة التي تتوق في الغالب إلى الاستمتاع والشهوة.

وقوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) ذلك بيان من الله حاسم يكشف عن طبيعة الضعف في الإنسان - وهو ضعف أساسي مفطور يخالط الإنسان في مبلغ قوته واحتماله، وفي مدى ثباته واصطباره، وفي طاقته الروحية والنفسية والبدنية - وتلك حقيقة ماثلة لا مراء فيها، وهي من الثبوت والقطيعة بما لا يقبل الجدال والمشاحنة.

والمقصود بهذا البيان الكريم هو الرجل - فإنه لا يستطيع أن يعدل بين زوجاته حتى ولو حرص على ذلك - والعدل المقصود هنا ما كان باعثه القلب أو الرغبة المستكنّة في دخيلة النفس - فالقلب أساس الحب والبغض وهما إحساس وجداني غير إرادي فلا حيلة للإنسان في تغييرهما أو التأثير فيهما فإنهما من وحي القلب وتأثيره وما القلب إلا بيد الله جلّت قدرته.

وأما النفس فهي أساس الشهوة التي تجنح للجماع ونحوه ويتحقق ذلك كله بوجود الرغبة، وهي خارجة عن مستطاع الإنسان ومقدروه - فإذا لم يكن الرجل راغبا في الجماع ولم يكن له ميل فيه فمن العبث أن يفرض عليه ذلك فرضا؛ لأن ذلك ينبع من داخل النفس حيث الشهوة والرغبة في المسيس.

وعلى ذلك فإن النفي الوارد في هذه الآية متعلق بالتسوية بين النساء من حيث الظواهر اللاإرداية كالحب والرغبة في الجماع - ومثل ذلك يعز على الرجل أن يعدل تماما فيه حتى لو جهده الحرص؛ لأن الطبع غلاّب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت